دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ١٩٠ - الاستدلال بالسنة على وجوب الاحتياط
و لا يصغى إلى ما قيل (١): من «أن إيجاب الاحتياط إن كان مقدمة للتحرز عن
قوله: «فإنه كفى بيانا» تعليل للورود على حكم العقل، يعني: فإن ما دل على وجوب الاحتياط كاف في البيانية على التكليف المحتمل لتنجزه به.
(١) هذا إشارة إلى الوجه الثاني من الجواب عن أخبار التوقف و الاحتياط.
و القائل هو الشيخ الأنصاري، و قد أجاب بهذا الوجه عن خصوص أخبار التوقف، فإنه «(قدس سره)» بعد أن أجاب عن تلك الأخبار- بحمل الأمر على الطلب المشترك بين الوجوب و الندب أورد على نفسه إشكالا حاصله: استكشاف وجوب الاحتياط شرعا، حيث قال ما هذا لفظه: «فإن قلت: إن المستفاد منها- يعني: من الأخبار- احتمال التهلكة في مخالفة كل محتمل التكليف- إلى أن قال- فيكشف هذا الأخبار عن عدم سقوط عقاب التكاليف المجهولة لأجل الجهل، و لازم ذلك إيجاب الشارع الاحتياط؛ إذ الاقتصار في العقاب على نفس التكاليف المختفية من دون تكليف ظاهري بالاحتياط قبيح، فيكون إيجاب الاحتياط طاردا لقاعدة قبح العقاب بلا بيان؛ لكونه بيانا.
ثم أجاب عنه بقوله: «قلت: إيجاب الاحتياط إن كان مقدمة للتحرز عن العقاب الواقعي فهو مستلزم لترتب العقاب على التكليف المجهول و هو قبيح كما اعترف به. و إن كان حكما ظاهريا نفسيا: فالهلكة الأخروية مترتبة على مخالفته؛ لا مخالفة الواقع، و صريح الأخبار إرادة الهلكة الموجودة في الواقع على تقدير الحرمة الواقعية» [١]. انتهى.
و حاصل الجواب: أن إيجاب الاحتياط لا يمكن أن يكون طاردا لقاعدة قبح العقاب بلا بيان.
توضيح ذلك: إن إيجاب الاحتياط شرعا إن كان لأجل التحرز عن العقاب على الحكم الواقعي المجهول لكان قبيحا؛ إذ على هذا كان العقاب على التكليف المجهول عقابا بلا بيان إذا المفروض: لا بيان له؛ لأن إيجاب الاحتياط لا يرفع الجهل بالواقع، فيكون العقاب عليه عقابا على المجهول، و هو قبيح عقلا كما اعترف به المستشكل نفسه و إن كان إيجاب الاحتياط نفسيا، لوجود ملاك في نفس الاحتراز عن الشبهة و مع الغض عن الحكم الواقعي المجهول: فاللازم ترتب العقاب على مخالفته لا مخالفة الواقع، و هذا المعنى و إن كان صحيحا في نفسه إلا إنه غير مقصود للأخباريين، حيث إنهم التزموا بدلالة أخبار التوقف و الاحتياط في الشبهات لأجل الاحتراز عن الهلكة المحتملة المترتبة على الاقتحام في الشبهات؛ لا لأجل الاحتراز عن مخالفة الاحتياط، و هذا البيان
[١] فرائد الأصول ٢: ٧١.