دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٤٠٣ - في وجه عدول المصنف عن البراءة عن الحكم التكليفي إلى الوضعي
لا يقال (١): إن جزئية السورة المجهولة- مثلا- ليست بمجعولة و ليس لها أثر
جريانه في الوضع و هو الجزئية- كما في كلام صاحب الفصول-.
في وجه عدول المصنف عن البراءة عن الحكم التكليفي إلى الوضعي
و أما توضيح وجه العدول: فيتوقف على مقدمة و هي: أن الأصل السببي دائما يتقدم على الأصل المسببي من باب الحكومة، بمعنى: أن الأصل السببي حاكم على الأصل المسببي.
إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن الأصل في الحكم التكليفي في الشك في الجزئية مسببي، و الأصل في الجزئية سببي؛ لأن الجزئية موضوع للحكم بوجوب الجزء، فلا تصل النوبة إلى الأصل في نفي وجوب شيء بعد الأصل لنفي جزئية ذلك الشيء؛ لما عرفت من: أن الأصل في جانب الموضوع يكون سببيا، و في جانب الحكم مسببيا، فلا يجري الأصل في جانب الحكم مع وجود الأصل في جانب الموضوع، و لازم ذلك عدم جريان الأصل في جانب الوجوب عند جريان الأصل في نفي الجزئية.
(١) هذا إشكال على جريان البراءة الشرعية في وجوب الأكثر المشكوك فيه بالتقريب الذي ذكره المصنف من جريانها في الوضع و هو الجزئية.
و هذا ناظر إلى ما تقدم نقله من كلام الشيخ في جواب صاحب الفصول «قدهما».
و توضيح الإشكال: أن البراءة إنما تجري فيما إذا كان المجهول أثرا شرعيا؛ لأن مجرى البراءة- على ما قرر في محله- لا بد و أن يكون مما تناله يد الوضع و الرفع التشريعيين، و المفروض: أن الجزئية ليست أثرا شرعيا كحرمة شرب التتن و وجوب الدعاء عند رؤية الهلال، و لا مما يترتب عليها أثر شرعي. و عليه: فلا مجال لجريان البراءة في الجزئية؛ بل لا بد من إجرائها في التكليف مثل: وجوب الجزء المشكوك فيه أو وجوب الأكثر.
و دعوى: أن الجزئية مما يترتب عليه أثر شرعي و هو وجوب الإعادة- على تقدير كون الواجب الواقعي هو الأكثر- فالبراءة تجري في الجزئية بلحاظ أثرها و هو وجوب الإعادة، مدفوعة:
أولا: بأن وجوب الإعادة أثر لبقاء الأمر الأول أي: الأمر بالأكثر، لا جزئية السورة؛ لأن الأمر بنفسه- ما لم يمتثل- يقتضي الإعادة عقلا دون الجزئية، فالإعادة أثر لبقاء الأمر الأول، لا أثر للجزئية.
و ثانيا: بأن وجوب الإعادة لا يرتفع بمثل حديث الرفع لكونه عقليا من باب وجوب الإطاعة عقلا.