دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ١٤٧ - الكلام في توضيح العبارات
ذلك حتى عمت سائر طرق التشأم، فإن العرب في الجاهلية كانت تلتزم و تعتني بما يتشأم بالطيور و غيرها، و كانت الطيور تصدهم عن مقاصدهم، فللشارع المقدس أن يمضي تلك الالتزامات؛ و لكنه ردع عنها امتنانا حتى لا تتعطل حياتهم لأمور لا واقع لها.
و أما الوسوسة في التفكر في الخلق، أو التفكير في الوسوسة في الخلق: فالمراد من الخلق في هذه الجملة يمكن أن يكون أحد معنيين:
الأول: أن يكون بمعنى الخالق أي: خالق الباري، فيتفكر في أنه من خلق الباري تعالى؟
و هو سؤال يشكل جوابه على العوام و إن كان واضحا عند المحققين؛ لأن الحاجة إلى الخالق تتصور بالنسبة إلى كل حادث أو ممكن الوجود، و الله «تبارك و تعالى» لا يكون حادثا أو ممكنا، و مع ذلك كان أمرا شايعا في عصر صدور الحديث، و كانوا يتوهمون حصول الكفر به، فرفع الشارع أثره المتوهم امتنانا.
الثاني: أن يكون في مقابل الخالق، و المراد منه حينئذ: الوسوسة في التفكر في البلايا و الشرور، و تكرار القول ب «لم» بالنسبة إليها أي: القول بأن الله تعالى لم خلق الشيء الفلاني، و لم خلق العالم كذا و كذا، فرفع الشارع حرمة هذه الوساوس امتنانا؛ كما في بعض الكتب المبسوطة.
و أما نسبة هذا الحديث إلى أدلة الأحكام الأولية: فهي حكومة على المشهور، فحديث الرفع حاكم على أدلة الأحكام الأولية؛ كأدلة نفي الضرر و الحرج.
توضيح ذلك: أن أدلة الأجزاء و الشرائط و الموانع مثلا تدل على أصل الجزئية و الشرطية و المانعية، و لا تدل على كيفية دخلها، و حديث الرفع يتعرض لكيفية الدخل، و أن جزئيتها أو شرطيتها أو مانعيتها مختصة بغير حال النسيان مثلا، فضابط الحكومة- و هو تعرض أحد الدليلين لما لا يتكفله الآخر- ينطبق على حديث الرفع.
و بعبارة أخرى: لا شك أن إطلاق الأدلة الأولية يعم كثيرا من الأحوال الثانوية؛ ككون الحكم ضرريا أو حرجيا أو مجهولا أو منسيا، و غير ذلك من العناوين الثانوية، و كون المكلف مضطرا أو مكرها، فإذا ورد قوله: «رفع عن أمتي تسعة: الخطأ و النسيان