تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٣٠١ - وفي وفي
قالَ أَبو الهَيْثم فيمَا رَدَّ به على شَمِرٍ: الذي قالَ شمرٌ في وَفَى و أَوْفَى باطِلٌ لا مَعْنى له إنَّما يقالُ أَوْفَيْتُ بالعَهْدِ و وَفَيْتُ بالعَهْدِ. و كلُّ شيءٍ في كتابِ اللّه يقالُ مِن هذا فهو بالألفِ، قالَ اللّه تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [١] ، أَوْفُوا بِعَهْدِي [٢] و يقالُ: وَفَى الشيءُ و وَفَى الكَيْلُ، أَي تَمَّ، و وَافَيْتُه [٣] أَنا أَي أَتْمَمْتُه، قالَ اللّه: أَوْفُوا اَلْكَيْلَ* [٤] ، انتَهَى.
و وَفَى الشَّيءُ وُفِيّاً ، كصُلِيٍ : أَي تَمَّ و كَثُرَ ؛ نقلَهُ الجَوْهرِي؛ فهو وَفِيٌّ و وافٍ بمعْنًى واحِدٍ، و في الصِّحاح الوَفِيُّ : الوَافِي، انتَهَى.
و كلُّ شيءٍ بَلَغَ تمامَ الكَمالِ فقد وَفَى و تَمَ و منه وَفَى الدَّرْهَمُ المِثْقالَ إذا عَدَلَهُ فهو وافٍ .
قال شيْخُنا: و في لَحْنِ العَوام لأبي بكْرٍ الزَّبيدِي أنَّهم يقولونَ دِرْهَمٌ وافٍ للزَّائِدِ وَزْنه، و إنَّما هو الذي لا يزيدُ و لا يَنْقُصُ، و هو الذي وَفَى بزِنَتِه، أَي فلا يقالُ: وَفَى أَي كَثُرَ و زادَ؛ و قد يقالُ إنَّه يَصْدقُ على الزائِدِ أنَّه وَفَى بزِنَتِهِ؛ فتأَمَّل.
و أَوْفَى عليه: أَشْرَفَ و اطَّلَعَ؛ و منه ١٧- حديثُ كَعْبِ بنِ مالِكٍ : « أَوْفَى على سَلْع» .
و أَوْفَى فلاناً حَقَّهُ : إذا أَعْطاهُ وافِياً ، كوفَّاهُ تَوْفِيَةً ؛ نقلَهُ الجَوْهري.
و قال غيرُهُ: أَي أَكْمَلَهُ؛ و وَافاهُ مُوافاةً كَذلكَ؛ و قد جاءَ فاعَلْتُ بمَعْنَى أَفْعَلْتُ و فَعَلْتُ في حُرُوفٍ بمعْنًى واحِدٍ؛ تَعاهَدْتُ الشيءَ و تعَهَّدْته و باعَدْته و أَبْعَدْتُه، و قارَبْتُ الصبيَّ و قَرَبْتُه، و هو يُعاطِيني الشيءَ و يُعْطِيني؛ و منه المُوافاةُ التي يَكْتُبها كتَّابُ دَواوِيْن الخَراجِ في حساباتِهم [٥] ؛ فاسْتَوْفاهُ و تَوَفَّاهُ ، أَي لم يَدَعْ منه شيئاً، فهُما مُطاوِعانِ لأوْفاهُ و وَفاهُ و وَافاهُ .
و من المجازِ: أَدْرَكَتْه الوَفاةُ : أَي المَوْتُ و المَنِيَّةُ. و تُوفِّيَ فلانٌ: إذا ماتَ.
و تَوفَّاهُ اللّه ، عزَّ و جلَّ: إذا قَبَضَ نَفْسَه؛ و في الصِّحاحِ، رُوْحَهُ. و قال غيرُهُ: تَوَفِّي الميتِ اسْتِيفَاء مُدَّتهِ التي وُفِيتْ له و عَدَد أَيَّامِه و شُهُورِه و أَعْوامِه في الدُّنْيا؛ و منه قولهُ تعالى:
اَللََّهُ يَتَوَفَّى اَلْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهََا [٦] ، أَي يَسْتَوفي مُدَد آجالِهم في الدُّنْيا، و قيلَ: يَسْتَوفي تَمامَ عَددِهم إلى يوم القِيامَةِ.
و أَمَّا تَوَفِّي النَّائم فهو اسْتِيفَاء وَقْت عَقْلِه و تَميزه إلى أَنْ نامَ.
و قال الزجَّاجُ في قولهِ تعالى: قُلْ يَتَوَفََّاكُمْ مَلَكُ اَلْمَوْتِ [٧] ، قالَ: هو مِن تَوْفِيةِ العَدَدِ، تَأْوِيلُه أَي يَقْبِضُ أَرْواحَكم أَجْمَعِين فلا ينقُصُ واحِد مِنْكم، كما تقولُ: قد اسْتَوْفَيْتُ مِن فلانٍ و تَوَفَّيْت منه مالي عليه، تأْوِيلُه أَي لم يَبْقَ عليه شيءٌ.
و قولُه تعالى: حَتََّى إِذََا جََاءَتْهُمْ رُسُلُنََا يَتَوَفَّوْنَهُمْ [٨] ؛ قالَ الزجَّاجُ: فيه، و اللّه أَعْلَم، وَجْهان: يكونُ حتى إذا جاءَتْهم ملائِكَةُ المَوْتِ يَتَوَفَّوْنَهم سَأَلُوهم عنْدَ المُعايَنةِ فيَعْتَرِفونَ عنْدَ مَوْتِهم أنَّهم كانوا كافِرينَ، لأنَّهم قالوا لهُم:
أَيْنَ مََا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ [٣] ؟قََالُوا: ضَلُّوا عَنََّا أَي بطلوا و ذَهَبُوا، و يجوزُ أَنْ يكونَ، و اللّه أَعْلم، حتى إذا جاءَتْهم ملائِكَةُ العَذابِ يَتَوَفَّوْنَهم ، فيكونُ يَتَوَفَّوْنَهم في هذا المَوْضِع على ضَربَيْن: أَحَدُهما يَتَوَفَّوْنَهم عَذَاباً و هذا كما تقولُ: قد قَتَلْتُ فلاناً بالعَذابِ و إن لم يَمتْ، و دَليلُ هَذا القَوْل قولهُ تعالى: وَ يَأْتِيهِ اَلْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكََانٍ وَ مََا هُوَ [٩] بِمَيِّتٍ ، قالَ: و يجوزُ أَنْ يكونَ يَتَوَفَّوْنَ عِدَّتهم، و هو أَضْعَفُ الوَجْهَيْن؛ و اللّه أَعْلَم.
و مِن المجازِ: وافَيْتُ العامَ : أَي حَجَجْتُ ؛ نقلَهُ الزَّمَخْشري.
صارَتِ المُوافَاةُ عنْدَهم اسْماً للحَجِّ كما قالوا نَزَلْت أَي أَتَيْت مِنَي؛ قالَهُ الصَّاغاني.
[١] سورة المائدة الآية ١.
[٢] سورة البقرة، الآية ٤٠.
[٣] في اللسان: و أوفيته.
[٤] سورة الأنعام، الآية ١٥٢.
[٥] عن اللسان و بالأصل «حسباناتهم» .
[٦] سورة الزمر، الآية ٤٢.
[٧] سورة السجدة، الآية ١١.
[٨] سورة الأعراف، الآية ٣٧.
[٩] سورة إبراهيم، الآية ١٧.