تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٤٢١
اَلسَّفِينَةِ [١] ، و تَعْطِفُ الشَّيءَ على سابِقِه كقوله تعالى:
وَ لَقَدْ أَرْسَلْنََا نُوحاً وَ إِبْرََاهِيمَ [٢] ؛ و على لاحِقِه كقوله تعالى: كَذََلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَ إِلَى اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ [٣] .
و الفَرْقُ بَيْنها و بَيْنَ الفاءِ أنَّ الواوَ يُعْطَفُ بها جُمْلَةٌ و لا تدلُّ على التَّرْتيبِ في تَقْدِيمِ المُقَدّم ذِكْره على المُؤَخّرِ ذِكْره، و أَمَّا الفرَّاء فإنَّه يُوصِلُ بها ما بَعْدَها بالذي قَبْلها و المُقدّمُ الأَوَّل، و قال الفرَّاء: إذا قلْت زُرْتُ عَبْدَ اللََّه و زَيْداً فأيّهما شِئْتَ كان هو المُبْتَدَأ بالزِّيارَةِ، و إنْ قلْت زُرْتُ عَبْدَ اللََّه فزَيْداً كانَ الأوَّل هو الأوَّل و الآخرُ هو الآخرُ، انتَهَى. و إذا قيلَ: قامَ زَيْدٌ و عَمْرٌو، احْتَمَلَ ثلاثَةَ مَعانٍ : المَعِيّة و مُطْلَق الجَمْع و التَّرْتيب، و كَوْنُها للمَعِيَّةِ راجِحٌ لمَا بَيْنهما مِن المُناسَبَةِ لأنَّ مع للمُصاحَبَةِ، و منه ١٦- الحديثُ : «بُعِثْتُ أَنا و الساعَةُ كهَاتَيْن» . أَي مع الساعَةِ؛ و للتَّرْتيبِ كَثيرٌ و لعَكْسِه قَليلٌ، و يجوزُ أَنْ يكونَ بَيْنَ مُتَعاطِفَيْها تَقارُبٌ أَو تَراخٍ كقوله تعالى: إِنََّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَ جََاعِلُوهُ مِنَ اَلْمُرْسَلِينَ [٤] ، فإنَّ بينَ رَدِّ موسَى إلى أُمِّه و جَعْلهِ رَسُولاً زَمانٌ مُتراخٍ؛ و قد تَخْرُجُ الواوُ عن إفادَةِ مُطْلَقِ الجَمْع و ذلكَ على أَوْجُهٍ:
أَحَدُها: تكونُ بمعْنَى أَوْ و ذلكَ على ثلاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُها : أَنْ تكونَ بمعْناها في التَّقْسِيم، نحوُ: الكَلمةُ اسمٌ و فِعْلٌ و حَرْفٌ؛ و الثاني: بمعْناها في الإباحَةِ [٥]
كقولك: جالِسِ الحَسَنَ و ابنَ سِيرِينَ أَي أَحَدَهُما؛ و الثالثُ: بمَعْناها في التَّخْيير كقولِ الشَّاعرِ:
و قالوا نَأَتْ فاخْتَرْ لَها الصَّبْرَ و البُكا [٦]
و الوَجْهُ الثاني : أَنْ تكونَ بمعْنَى باءِ الجَرِّ
نحوُ: أَنْتَ أَعْلَمُ و مالَكَ ، أَي بمالِكَ، و بِعْتُ الشَّاءَ شاةً و دِرْهَماً ، أَي بدِرْهَمٍ.
الثَّالث: بمعْنَى لامِ التَّعْليل
؛ نحوُ قوله تعالى: يََا لَيْتَنََا نُرَدُّ وَ لاََ نُكَذِّبَ [٧] ، أَي لئَلاَّ نَكْذِبَ، قالَهُ الخارَزَنْجي مُصنِّفُ تَكْملة العَيْن و قد مَضَتْ تَرْجمتُه عنْدَ ذِكْرِه في حَرْفِ الجِيم.
الرابع: واو الاسْتِئْنافِ
كقولهم: لا تَأْكُلِ السَّمَكَ و تَشْرَبِ اللَّبَنَ فيمَنْ رَفَعَ ، و قد ذُكِرَ ذلكَ فِي بَحْثِ لا قَرِيباً.
الخامس: واوُ المَفْعولِ معه
: كسِرْتُ و النِّيلَ.
السَّادِسُ: واوُ القَسَمِ
كقولِهم: و اللََّه لقَدْ كانَ كذا، و هو بدلٌ مِن الباءِ و إنَّما أبدلٌ منه لقُرْبِه منه في المَخْرَجِ إذ كانَ مِن حُروفِ الشَّفَةِ و لا تَدْخُلُ إلاَّ على مُظْهَرٍ فلا يقالُ وك استغناء بالباء عنها، و لا تَتَعَلَّقُ إلاَّ بمَحْذُوفٍ نحوُ قوله تعالى:
وَ اَلْقُرْآنِ اَلْحَكِيمِ [٨] ، و لا يقالُ أُقْسِمُ و اللََّه، إنْ تَلَتْها واوٌ أُخْرَى كقولِهِ تعالى: وَ اَلطُّورِ `وَ كِتََابٍ مَسْطُورٍ [٩] فالثانِيَةُ للعَطْفِ و الأُولى للقَسَمِ و إلاَّ لاحْتاجَ كلٌّ إلى جَوابٍ نحوُ قوله تعالى: وَ اَلتِّينِ وَ اَلزَّيْتُونِ `وَ طُورِ سِينِينَ [١٠] .
السَّابعُ: واوُ رُبّ
، و لا تَدْخُلُ إلاَّ على مُنَكَّرٍ مَوْصوفٍ لأنَّ وَضْعَ رُبَّ لتَقْليلِ نَوْعٍ مِن جِنْسٍ فيذكرُ الجِنْسَ ثم يَخْتَصُّ بصفَةِ تَعْرفةٍ؛ و منه قولُ الشاعرِ:
و بَلْدةٍ ليسَ بها أَنِيسُ # إلاَّ اليَعافِيرُ و إلاَّ العِيسُ
أَي و رُبَّ بَلْدةٍ.
الثَّامن: الَّزائِدَةُ ،
كقوله تعالى: حَتََّى إِذََا جََاؤُهََا وَ فُتِحَتْ أَبْوََابُهََا [١١] ، جَوَّزَه الجَوْهرِي؛ و قال غيرُه: هي واوُ الثمانِيَةِ، و في الصِّحاح: قالَ الأصْمعي: قلْتُ لأبي عَمْرِو بنِ العَلاءِ: و قولُهم رَبّنا و لكَ الحَمْدُ، فقالَ: يقولُ الرَّجُلُ للرَّجُلِ بِعْني هذا الثَّوْبَ، فيقولُ: و هو لَكَ و أَظنُّه أَرادَ هو لك؛ و أَنْشَدَ الأخْفَش:
[١] سورة العنكبوت، الآية ١٥.
[٢] سورة الحديد، الآية ٢٦.
[٣] سورة الشورى، الآية ٣.
[٤] سورة القصص، الآية ٧.
[٥] على هامش القاموس عن نسخة: «نحو» .
[٦] البيت لكثير ٢/٢٥١ و عجزه:
فقلت: البكا أشفى إذن لغليلي
و صدره من شواهد القاموس.
[٧] سورة الأنعام، الآية ٢٧.
[٨] سورة يس، الآية ٢.
[٩] سورة الطور، الآية الأولى.
[١٠] سورة التين، الآية ٢.
[١١] سورة الزمر، الآية ٧١.