تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٣٧٩ - ب الباء
فلَثَمْتُ فَاها آخِذاً بقُرونِها # شرْبَ الشَّرِيبِ ببَرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ [١]
و قيل في قوله تعالى: يَشْرَبُ بِهََا عِبََادُ اَللََّهِ : ذهَبَ بالباءِ إلى المَعْنى، لأنَّ يَرْوَى بها عِبادُ اللّه، و عليه حَمَلَ الشافِعِيُّ قولَه تعالى: وَ اِمْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ [٢] ، أَي ببعضِ رُؤُوسِكُم. و قال ابنُ جنِّي: و أمَّا ما يَحْكِيه أَصْحابُ الشَّافِعي مِن أنَّ الباءَ للتَّبْعيضِ فشيءٌ لا يَعْرفُه أَصْحابُنا، و لا وَرَدَ به ثبتٌ.
*قُلْتُ: و هكذا نسَبَ هذا القَوْلَ للشَّافِعِي ابنُ هِشامٍ في شرْحِ قَصِيدَةِ كَعْبِ. و قالَ شيْخُ مشايخِ مشايِخنا عبْدُ القادِرِ بنُ عُمَر البَغْدَادِي في حاشِيَتِه عليه الذي حَقَّقه السَّيوطي: إنَّ الباءَ في الآيةِ عنْدَ الشَّافِعِي للإلْصاقِ، و أَنْكَر أنْ تكونَ عنْدَه للتَّبْعيضِ، و قالَ هي للإلْصاقِ، أَي أَلْصقُوا المَسْحَ برُؤُوسِكُم، و هو يصدقُ ببعضِ شعرةٍ و به تَمسَّكَ الشافِعِيُّ و نقلَ عِبارَةَ الأمّ و قال في آخرِها: و ليسَ فيه أنَّ الباءَ للتَّبْعيضِ كما ظنَّ كثيرٌ مِن الناسِ، قالَ البَغْدَادِي: و لم يَنْسِبْ ابنُ هشام هذا القَوْلَ في المُغْني إلى الشافِعِي و إنَّما قالَ فيه: و منه، أَي مِن التَّبْعيضِ وَ اِمْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ ، و الظاهِرُ أنَّ الباءَ للإلْصاقِ أَو للاسْتِعانَةِ، في الكَلامِ، حذْفاً و قَلْباً، فإنْ مَسَحَ يَتَعَدَّى إلى المُزَالِ عنه بنَفْسِه و إلى المُزِيلِ بالباءِ ، و الأصْلُ امْسَحُوا رُؤوسِكُم بالماءِ، فقلبَ مَعْمول مَسَحَ، انتَهَى قالَ البَغْدادِي. و مَعْنى الإلْصاقِ المَسْح بالرأْس و هذا صادِقٌ على جَمِيعِ الرأْسِ و على بعضِهِ، فمَنْ أَوْجَبَ الاسْتِيعابَ كمالِكٍ أَخَذَ بالاحْتِياطِ، و أَخَذَ أَبو حنيفَةَ بالبَيانِ و هو ما رُوِي أَنّه مَسَحَ ناصِيَتَه، و قُدِّرَتِ النَاصِيَةُ برُبْعِ الرأْسِ.
و للقَسَم ، و هي الأصْلُ في حُروفِ القَسَم و أَعَمّ اسْتِعْمالاً مِن الواوِ و التاءِ، لأنَّ الباءَ تُسْتَعْمل مع الفِعْلِ و حذْفِه، و مع السُّؤالِ و غيرِه، و مع المُظْهَرِ و المُضْمَرِ بخِلافِ الواوِ و التاءِ؛ قالَهُ محمدُ بنُ عبدِ الرحيمِ الميلانيفي شرْح المُغْني للجاربردي.
و في شرْحِ الأُنْموذَجِ للزَّمَخْشري: الأصْل في القَسَم الباءُ ، و الواوُ تُبْدَلُ منها عنْدَ حَذْفِ الفِعْل، فقوَلُنا و اللّه في المَعْنى أَقْسَمْتُ باللّه، و التاءُ تُبْدَلُ مِن الواوِ في تاللّه خاصَّةً، و الباءُ لأصالَتِها تَدْخَلُ على المُظْهَرِ و المُضْمَر نحو: باللّه و بكَ لأَفْعَلَنَّ كذا؛ و الواو لا تَدْخُلُ إلاَّ على المُظْهَرِ لنُقْصانِها عن الباءِ فلا يقالُ: و بكَ لأفْعَلَنَّ كذا، و التاءُ لا تَدْخُل مِن المُظْهَرِ إلاَّ على لَفْظةِ اللّه لنُقْصانِها عن الواوِ، انتَهَى.
*قُلْت: و شاهِدُ المُضْمَر قولُ غوية بن سلمى:
ألا نادَتْ أُمامةُ باحْتِمالي # لتَحْزُنَني فَلا يَكُ ما أُبالي
و قد أَلْغز فيها الحرِيرِي في المَقامَةِ الرَّابِعَة و العِشْرِين فقالَ: و ما العامِلُ الذي نائِبُه أَرْحَبُ منه وكراً و أَعْظَمُ مَكْراً و أَكْثَر للّه تعالى ذِكْراً، قالَ في شرْحِه: هو باءُ القَسَمِ، و هي الأصْلُ بدَلالَةِ اسْتِعْمالِها مع ظُهورِ فِعْلِ القَسَمِ في قولِكَ: أُقْسِمُ باللّه ، و لدُخولِها أَيْضاً على المُضْمَر كقولِكَ: بكَ لأَفْعَلَنَّ، ثم أُبْدِلَتِ الواوُ منها في القَسَم لأنَّهما جَمِيعاً مِن حُروفِ الشَّفَةِ ثم لتَناسُبِ مَعْنَيهما لأنَّ الواوَ تُفيدُ الجَمْع و الباءُ تُفِيدُ الإلْصاقَ و كِلاهُما مُتَّفِقٌ و المَعْنيانِ مُتَقارِبانِ، ثم صارَتِ الواوُ المُبْدلَة منها أَدْوَرُ في الكَلام و أَعْلَق بالأقسامِ و لهذا أَلْغز بأَنَّها أَكْثَرُ للّه ذِكْراً، ثم إنَّ الواوَ أَكْثَرُ مَوْطِناً، لأنَّ الباءَ لا تَدْخلُ إلاَّ على الاسْمِ و لا تَعْملُ غَيْر الجَرِّ، و الواوُ تَدْخُلُ على الاسْمِ و الفِعْلِ و الحَرْفِ و تجرُّ تارَةً بالقَسَمِ و تارَةً بإضْمارِ رُبَّ و تَنْتَظِم أَيْضاً مع نَواصِبِ الفِعْل و أَدوَاتِ العَطْفِ، فلهذا وَصَفَها برحبِ الوكر و عظم المَكْر.
و للغَايَةِ ، بمعْنَى إلى، نحو قوله تعالى: وَ قَدْ أَحْسَنَ بِي [٣] ، أَي أَحْسَنَ إليَّ.
و للتَّوْكِيدِ: و هي الزائِدَةُ و تكونُ زِيادَةً واجِبَةً: كأَحْسِنْ بزَيْدٍ، أَي أَحْسَنَ زَيْدٌ ؛ كذا في النسخِ و الصَّوابُ حَسُنَ
[١] عجزه من شواهد مغني اللبيب، و نسبه محققه بحاشيته لعدد من الشعراء منهم جميل بثينة و عمر بن أبي ربيعة و عبيد بن أوس.
[٢] سورة المائدة، الآية ٦.
[٣] سورة يوسف، الآية ١٠٠.