الإتحاف بحب الأشراف - الشبراوي، جمال الدين - الصفحة ٤٦٠ - الباب الثّامن في حوادث الزّمان، و ما أوقعه الدّهر الخوان بالأكابر، و الأعيان
الإقامة في ملكه، و يؤمنه، فلمّا توجه الغلام إلى الملك أجتمع به، و سلم عليه، ثمّ أستأذنه في الإقامة في ملكه، و أخذ منه الأمان إلى عبيد اللّه، ثمّ أرسل معه قاصدا، فلمّا حضر القاصد، قال للأمير عبيد اللّه: إنّ الملك يقرئك السّلام، و يقول لك: أ جئت محاربا أم مستجيرا، فقال: ردّ (عليه السّلام) و قل له: جاءك مستجيرا من عدو يريد قتله، فلمّا توجه القاصد إلى الملك، و ذكر له ذلك، قام و همّ إليه بالحضور، فلمّا حضر الملك، قام إليه الأمير عبيد اللّه و نزل له عن مرتبته، و أمره بالجلوس عليها، فامتنع الملك من ذلك، و دفعها برجله، و قال له: كلّ ملك لا يكون متواضعا للَّه فهو جبار عنيد متكبر، ثمّ جلس ينكت في الأرض طويلا، ثمّ قال له: كيف سلبتم ملككم، و اخذ منكم، و أنتم أقرب النّاس إلى نبيكم، فقال له: إنّ الّذي سلب منّا ملكنا هو أقرب منّا إلى نبينا، فقال له: كيف تخالفون قول نبيكم، و تشربون ما حرم عليكم من الخمر، و لبس الحرير، و تركبون في السّروج المذهبة، و لم يفعل نبيكم شيئا من هذا، و قد بلغنا أنّك لما كنت متوليا على مصر كنت تخرج إلى الصّيد فتكلف أهل القرى ما لا يطيقون، و تفسدون الزّرع على أصحابه، و تأخذون من أهل القرى الهدايا، فصار ملك النّوبة يعدد للأمير عبيد اللّه ذنوبا كثيرة، و هو ساكت لا يتكلم، ثمّ قال: لمّا استحللتم ما حرّم اللّه عليكم، أوجب عليكم النّقمة، و أنا أخاف على نفسي النّقمة بسببك؛ إن أنزلتك عندي فتحلّ بي النّقمة، فإنّ الرّحمة مختصة، و البلايا عموم، ارحل عني بعد ثلاثة أيام، و إن لم ترحل و إلّا أخذت جميع ما معك، و قتلتك شرّ قتلة، فلما سمع الأمير عبيد اللّه مقالته خرج من يومه من أرض النّوبة، و رجع إلى مصر، فقبض عليه عمال الخليفة الملك المنصور العباسي، و بعثوه إلى بغداد، فسجنه الملك المنصور حتّى مات في السّجن [١].
[١] انظر، القصة كاملة في تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة: ٢٣٤، تأريخ مدينة دمشق: ٣٨/ ١١٨.