الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٥ - التّفسير
إنّ غلو النصارى معروف، إلّا أنّ غلو اليهود، الذي يشملهم تعبير يا أَهْلَ الْكِتابِ قد يكون إشارة إلى ما كانوا يقولونه عن العزير و قد اعتبروه ابن اللّه، و لما كان الغلو ينشأ- أكثر ما ينشأ- عن إتباع الضالين أهواءهم، لذلك يقول اللّه سبحانه وَ لا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَ أَضَلُّوا كَثِيراً وَ ضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ.
و في هذا إشارة- أيضا- إلى ما انعكس في التّأريخ المسيحي، إذ أنّ موضوع التثليث و الغلو في أمر المسيح عليه السّلام لم يكن له وجود خلال القرون الاولى من المسيحية، و لكن عند ما اعتنق بعض الهنود و أمثالهم من عبدة الأصنام المسيحية أدخلوا فيها شيئا من دينهم السابق، كالتثليث و الشرك.
إنّ الثالوث الهندي (الإيمان بالآلهة الثلاثة: برهما، و فيشنو، و سيغا)، كان تاريخيا أسبق من التثليث المسيحي الذي لا شك أنّه انعكاس لذاك، ففي الآية الثلاثين من سورة التوبة و بعد ذكر غلو اليهود و النصارى في مسألة العزير و المسيح عليه السّلام يقول سبحانه يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ.
و قد وردت كلمة «ضلوا» في هذه الآية مرّتين بالنسبة للكفار الذين اقتبس منهم أهل الكتاب الغلو، و لعل هذا التكرار من باب التوكيد، إذ أنّهم كانوا قبل ذلك من الضّالين، ثمّ لمّا أضلّوا لآخرين بدعواهم وقعوا في ضلال آخر، و من يسعى لتضليل الآخرين يكون أضلّ منهم في الواقع، لأنّه يكون قد استهلك قواه لدفع نفسه و دفع الآخرين إلى طريق التعاسة و لحمل آثام الآخرين- أيضا- على كاهله، و هل يرتضي المرء السائر على الطريق المستقيم أن يضيف إلى آثامه آثام غيره أيضا؟
الأشخاص و منزلته، و بالنسبة للأسعار و تستعمل كلمة «الغلاء» و «غلو» السهم على وزنه «دلو» ارتفاعه و تجاوزه مداه، و في الماء يقال «غليان» و «الغلواء» جموح في الحيوان، و هي جميعا من أصل واحد، و يرى بعضهم أن الغلو يعني الإفراط و التفريط معا، و يحصر بعضهم معناه بالتفريط فقط، و يقابله التقصير.