الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٣ - التّفسير
و لكنّنا نعلم أنّ المسيحيين المنحرفين لا يقنعون باعتبار عيسى عليه السّلام مجرّد مبعوث من اللّه، فاعتقادهم العام في الوقت الحاضر هو اعتباره ابن اللّه، و أنّه هو اللّه بمعنى من المعاني و أنّه جاء ليفتدي ذنوب البشر (و لم يأت لهدايتهم و قيادتهم) لذلك أطلقوا عليه اسم «الفادي» أي الذي افتدى بنفسه آثام البشر.
و لمزيد من التوكيد، يقول: وَ أُمُّهُ صِدِّيقَةٌ أي أنّ من تكون له أمّ حملته في رحمها، و من يكون محتاجا إلى كثير من الأمور، كيف يمكن أن يكون إلها؟! ثمّ إذا كانت أمّه صديقة فذلك لأنّها هي- أيضا- على خط رسالة المسيح عليه السّلام، منسجمة معه، و تدافع عن رسالته، لهذا فقد كان عبدا من عباد اللّه المقربين، فينبغي ألّا يتخذ معبودا كما هو السائد بين المسيحيين الذين يخضعون أمام تمثاله إلى حدّ العبادة.
و مرّة أخرى يشير القرآن إلى دليل آخر ينفي الربوبية عن المسيح عليه السّلام، فيقول:
كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ.
فهذا الذي يحتاج إلى الطعام، و لو لم يتناول طعاما لعدّة أيّام يضعف عن الحركة، كيف يمكن أن يكون ربّا أو يقرن بالربّ؟! و في ختام الآية إشارة وضوح هذه الدلائل من جهة، و إلى عناد أولئك و جهلهم من جهة أخرى، فيقول: انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [١].
تكرر كلمة «انظر» في الآية توجيه للنظر إلى جهتين: إلى الدلائل الواضحة الكافية لكل شخص، و إلى رد الفعل السلبي المحير المثير للعجب الصادر من هؤلاء.
و لكي يكمل الاستدلال السابق تستنكر الآية التّالية عبادتهم المسيح مع أنّهم يعلمون أن له احتياجات بشرية، و إنّه لا قدرة له على دفع الضرر عن نفسه أو
[١]- الإفك: كل مصروف عن وجهه الذي يحق أن يكون عليه، و المأفوك: المصروف عن الحقّ، و إن كان عن تقصيره، و من هنا يسمّى إفكا، لأنّه يصد الإنسان عن الحقّ.