الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٤ - التّفسير
نفعها، فكيف يتسنى له دفع الضرر عن الغير أو نفعهم؟ قُلْ أَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَ لا نَفْعاً؟
فكثيرا ما تعرّض هو و أتباعه للأذى على أيدي أعدائهم، و لو لا أنّ اللّه شمله بلطفه لما استطاع أن يخطو خطوة واحدة.
و في النهاية يحذرهم من أن يظنوا أنّ اللّه لا يسمع ما يتقولونه أو لا يعلم ما يكنونه: وَ اللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.
ممّا يلفت النظر أنّ مسألة كون المسيح عليه السّلام بشرا ذا حاجات مادية جسمانية- و هي ما يستند إليها القرآن في هذه الآية و في آيات أخرى- كانت من أكبر المعضلات بوجه المسيحيين الذين يدعون ألوهيته، فسعوا إلى تبرير ذلك بشتى الأساليب، حتى أنّهم اضطروا أحيانا إلى القول بثنائية المسيح: اللاهوت و الناسوت، فهو من حيث لاهوتيته ابن اللّه، بل هو اللّه نفسه و من حيث ناسوتيته فهو جسم و مخلوق من مخلوقات اللّه، و أمثال ذلك من التبريرات التي هي خير دلالة على ضعف منطقهم و خطله.
لا بدّ من الالتفات- أيضا- أنّ الآية استعملت «ما» بمكان «من» و التي تشير عادة إلى غير العاقل، و لعل ذلك يفيد الشمول بالنسبة للمعبودات و الأصنام المصنوعة من الحجر أو الخشب، فيكون المقصود هو أنّه إذا جاز أن يعبد الناس مخلوقا، جازت كذلك عبادتهم الأصنام، لأنّ هذه المعبودات تتساوى من حيث كونها جميعا مخلوقات، و أنّ تأليه المسيح عليه السّلام ضرب من عبادة الأصنام، لا عبادة الإله.
الآية التّالية تأمر رسول اللّه عليه السّلام، بعد اتضاح خطأ أهل الكتاب في الغلو أن يدعوهم بالأدلة الجلية إلى الرجوع عن السير في هذا الطريق: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِ [١].
[١]- «لا تغلو» من مادة «الغلو» و هي بمعنى تجاوز الحدّ، إلّا أنّها تستعمل للإشارة تجاوز الحدّ بالنسبة لمقام شخص من