الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٨٤ - إبليس أوّل القائلين بالجبر
إنّ هذه الآيات و ان لم تصرّح بالمقدار الذي استجيب من طلب الشيطان من حيث الزمن، إلّا أننا نقرأ في الآية (٣) من سورة الحجر أنه تعالى قال له: فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ و هذا يعني أن مطلب الشيطان لم يستجب له بتمامه و كماله، بل استجيب إلى الوقت الذي يعلمه اللّه تعالى (و سوف نبحث عند تفسير الآية (٣) من سورة الحجر حول معنى قوله إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ إن شاء اللّه).
غير أنّ الشيطان لم يبغ من مطلبه هذا (أي الإمهال الطويل) الحصول على فرصة لجبران ما فات منه أو ليعمّر طويلا، إنّما كان هدفه من ذلك هو إغواء بني البشر و قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ أي لأغوينهم كما غويت، و لأضلنّهم كما ضللت.
إبليس أوّل القائلين بالجبر:
يستفاد من الآية الحاضرة أن الشيطان لتبرئة نفسه نسب إلى اللّه الجبر إذ قال:
فَبِما أَغْوَيْتَنِي لأغوينهم.
بعض المفسّرين أصرّ على تفسير جملة فَبِما أَغْوَيْتَنِي بنحو لا يفهم منه الجبر، إلّا أن الظاهر هو أنه لا موجب لمثل هذا الإصرار. و شاهد هذا القول هو ما
روي عن أمير المؤمنين عليه السّلام: «كان أمير المؤمنين جالسا بالكوفة بعد منصرفه من صفّين إذا أقبل شيخ فجثا بين يديه ثمّ قال له: يا أمير المؤمنين: أخبرنا عن مسيرنا إلى أهل الشام أ بقضاء اللّه و قدره؟ فقال له أمير المؤمنين عليه السّلام: «أجل مه يا شيخ ما علوتم تلعة و لا هبطتم بطن واد إلّا بقضاء من اللّه و قدر».
فقال له الشّيخ: عند اللّه أحتسب عنائي يا أمير المؤمنين.
فقال له عليه السّلام: «يا شيخ فو اللّه لقد عظم اللّه تعالى لكم الأجر في مسيرتكم و أنتم سائرون و في مقامكم و أنتم مقيمون و في منصرفكم و أنتم منصرفون و لم تكونوا