الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٨٢ - أوّل قياس هو قياس الشيطان
النبوّة، فلا مانع من أن يكلّم اللّه أحدا لا بعنوان الوحي و الرسالة، بل عن طريق الباطني أو بواسطة بعض الملائكة، سواء كان من يحادثه اللّه من الصالحين الأبرار مثل مريم و أمّ موسى، أو من غير الصالحين مثل الشيطان! و لنعد الآن إلى تفسير بقية الآيات:
حيث أن امتناع الشيطان من السجود لآدم عليه السّلام لم يكن امتناعا بسيطا و عاديا و لم يكن معصية عادّية، بل كان تمرّدا مقرونا بالاعتراض و الإنكار للمقام الربوبي، لأنّه قال: أنا أفضل منه، و هذه الجملة تعني في حقيقة الأمر أن أمرك بالسجود لآدم أمر مخالف للحكمة و العدالة و موجب لتقديم «المرجوح» على «الراجح» لهذا فإنّ مخالفته كانت تعني الكفر و إنكار العلم و الحكمة الإلهيين، فوجب أن يخسر جميع مراتبه و درجاته، و بالتالي كل ما له من مكانة عند اللّه، و لهذا أخرجه اللّه من ذلك المقام الكريم، و جرّده من تلك المنزلة السامقة التي كان يتمتع بها في صفوف الملائكة، فقال له: فَاهْبِطْ مِنْها.
و قد ذهب جمع من المفسّرين في ضمير «منها» إلى إرجاعه إلى «السماء» أو «الجنّة» و ذهب آخرون إلى إرجاعها إلى «المنزلة الدرجة»، و هما لا يختلفان كثيرا من حيث النتيجة.
ثمّ إنّه تعالى شرح له منشأ هذا السقوط و التنزّل بالعبارة التّالية: فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها.
و أضاف للتأكيد قائلا: فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ يعني إنّك بعملك و موقفك هذا لم تصبح كبيرا، بل على العكس من ذلك أصبته بالصغار و الذلة.
إنّ هذه الجملة توضح بجلاء أن شقاء الشيطان كله كان وليد تكبره، و إن أنانيته هذه التي جعلته يري نفسه أفضل ممّا هو، هي التي تسببت في أن لا يكتفي بعدم السجود لأدم، بل و ينكر علم اللّه و حكمته، و يعترض على أمر اللّه، و ينتقده، فخسر على أثر ذلك منزلته و مكانته، و لم يحصد من موقفه إلّا الذلة