الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٠٣ - التملّص من المسؤولية بحجة «الجبر»
هؤلاء وحدهم يفترون على اللّه مثل هذه الأكاذيب: كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [١] و لكنّهم ذاقوا جزاء افتراءاتهم: حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا.
فهؤلاء- في الحقيقة- كانوا يكذبون في كلامهم هذا، كما أنّهم يكذّبون الأنبياء، لأنّ الأنبياء الإلهيين نهوا البشرية- بصراحة- عن الوثنية و الشرك و تحريم ما أحلّه اللّه، فلا آباؤهم سمعوا ذلك و لا هؤلاء، مع ذلك كيف يمكن أن نعتبر اللّه راضيا بهذه الأعمال؟ .. و لو كان سبحانه راضيا بهذه الأمور فكيف بعث أنبياءه للدعوة إلى التوحيد؟! إنّ دعوة الأنبياء- في الأساس- أقوى دليل على حرية الإرادة الإنسانية، و إختيار البشر.
ثمّ يقول سبحانه: قل لهم يا محمّد: هل لكم برهان قاطع و مسلّم على ما تدّعونه؟ هاتوه إن كان قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا.
ثمّ يضيف في النهاية: إنّكم ما تتبعونه ليس سوى أوهام و خيالات فجة: إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ.
و في الآية اللاحقة يذكر دليلا آخر لإبطال ادعاء المشركين، و يقول: قل: إنّ اللّه أقام براهين جلية و دلائل واضحة و صحيحة على وحدانيته، و هكذا أقام أحكام الحلال و الحرام سواء بواسطة أنبيائه أو بواسطة العقل، بحيث لم يبق أي عذر لمعتذر: قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ.
و على هذا الأساس لا يمكن أن يدعي أحد أبدا أنّ اللّه أمضى- بسكوته- عقائدهم و أعمالهم الباطلة، و كذلك يسعهم قط أن يدّعوا أنّهم كانوا مجبورين، لأنّهم لو كانوا مجبورين لكان إقامة الدليل و البرهان، و إرسال الأنبياء و تبليغهم و دعوتهم لغوا، إنّ إقامة الدليل دليل على حرية الإرادة.
على أنّه يجب الانتباه إلى أنّ «الحجة» الذي هو من «حجّ» يعني القصد،
[١]- «كذب» في اللغة تأتي بمعنيين تكذيب الغير، و كذلك فعل الكذب.