الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٤٩ - أدلة التوحيد في السموات
و مرّة أخرى رفع عينيه إلى السماء فلاح له قرص القمر الفضي ذو الإشعاع و اللمعان الجذاب على أديم السماء، فصاح ثانية: هذا ربّي: و لكنّ مصير القمر لم يكن بأفضل من مصير الكواكب قبله، فقد أخفى وجهه خلف طيات الأفق.
هنا قال إبراهيم: إذا لم يرشدني ربّي إلى الطريق الموصل إليه فسأكون في عداد التائهين فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ.
عند ذاك كان الليل قد انقضى، و راح يجمع أطراف أستاره المظلمة هاربا من كبد السماء، بينما راحت الشمس تطل من المشرق و تلقي بأشعتها الجميلة كنسيج ذهبي تنشره على الجبل و الوادي و الصحراء، و ما أن وقعت عين إبراهيم الباحث عن الحقيقة على قرص الشمس الساطع صاح: هذا ربّي فإنّه أكبر و أقوى ضوءا، و لكنّه إذ رآها كذلك تغرب و تختفي في جوف الليل البهيم أعلن إبراهيم قراره النهائي قائلا: يا قوم! لقد سئمت كل هذه المعبودات المصطنعة التي تجعلونها شريكة للّه: فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ.
الآن بعد أن عرفت أنّ وراء هذه المخلوقات المتغيرة المحدودة الخاضعة لقوانين الطبيعة إلها قادرا و حاكما على نظام الكائنات، فإني أتجه إلى الذي خلق السموات و الأرض، و في إيماني هذا لن أشرك به أحدا، فاني موحد و لست مشركا: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ حَنِيفاً وَ ما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
للمفسّرين كلام كثير في تفسير هذه الآية و الآيات التّالية بشأن ما دفع