الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١٥ - أسرار الغيب
جاء فيما روي عن أهل البيت عليهم السّلام أنّ «الورقة» الساقطة بمعنى الجنين الساقط، و «الحبّة» بمعنى الابن، و «ظلمات الأرض» بمعنى رحم الأمّ، و «رطب» ما بقي حيا من النطفة، و «يابس» ما تلاشى من النطفة [١].
لا شك أنّ هذا التّفسير لا ينسجم مع الجمود على المعاني اللغوية للآية، إذ إنّ معنى «الورقة» و «الحبّة» و «ظلمات الأرض» و «الرّطب» و «اليابس» معروف، و لكنّ أئمّة أهل البيت عليهم السّلام بهذا التّفسير أرادوا أن يوسعوا من آفاق نظرة المسلمين إلى القرآن، و أن لا ينحصروا في إطار الألفاظ، بل يتوسعوا في نظرتهم حين توجد قرائن على هذا التوسع.
الرّواية أعلاه تشير إلى أنّ معنى «الحبّة» لا ينحصر في بذور النباتات، بل يشمل أيضا بذور النطف الإنسانية.
في الآية الثانية ينتقل الكلام إلى إحاطة علم اللّه بأعمال الإنسان و هو الهدف الأصلي و إلى بيان قدرة اللّه القاهرة، لكي يستنتج الناس من هذا البحث الدروس التربوية اللازمة فتبدأ بالقول بأنّ اللّه هو الذي يقبض أرواحكم في الليل، و يعلم ما تعملون في النهار: وَ هُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَ يَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ.
«توفى» تعني استرجع، فالقول بأنّ النوم هو استرجاع للروح يعود إلى أنّ النوم أخو الموت، كما هو معروف، فالموت تعطيل كامل لجهاز الدماغ، و انقطاع تام في ارتباط الروح بالجسد، بينما النوم تعطيل قسم من جهاز الدماغ و ضعف في هذا الارتباط، و عليه فالنوم مرحلة صغيرة من مراحل الموت [٢].
«جرحتم» من «جرح» و هي هنا بمعنى الاكتساب، أي أنّكم تعيشون تحت ظل قدرة اللّه و علمه ليلا و نهارا، و انّ الذي يعلم بانفلاق الحبّة و نموها في باطن الأرض، و يعلم بسقوط أوراق الأشجار و موتها في أي مكان و زمان، يعلم
[١]- تفسير البرهان، ج ١، ص ٥٢٨.
[٢]- هناك شرح أو فى لهذا في المجلد الثاني.