الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٠ - لا ملجأ غير اللّه!
لا شك أنّ أنبياء اللّه و الصالحين من أقوامهم سبقوا النّبي الخاتم في استسلامهم لأمر اللّه و عليه فإن قوله تعالى: إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ يعني أوّل مسلم من أمّة الرسالة الخاتمة.
كما أنّ هذا إشارة إلى أمر تربوي مهم أيضا، و هو أنّ كل قائد ينبغي أن يكون في تطليق تعاليم دينه قدوة و طليعة، عليه أن يكون أوّل المؤمنين برسالته، و أوّل العاملين بها، و أكثر الناس اجتهادا فيها، و أسرعهم إلى التضحية في سبيلها.
الآية التّالية فيها توكيد أشدّ لهذا النهي الإلهي عن إتّباع المشركين: قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [١] أي يأمر اللّه رسوله أن يقول بأنّه ليس مستثنى من القوانين الإلهية، و أنّه يخاف- إن ركن إلى المشركين- عذاب يوم القيامة.
و من هذه الآية نفهم أيضا أنّ شعور الأنبياء بالمسؤولية يفوق شعور الآخرين بها.
و لكي يتّضح أنّ النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لا يستطيع شيئا بغير الاستناد إلى لطف اللّه و رحمته، فكل شيء بيد اللّه و بأمره، و حتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نفسه يترقب بعين الرجاء رحمة اللّه الواسعة، و منه يطلب النجاة و الفوز: مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَ ذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ.
هذه الآيات تبيّن منتهي درجات التوحيد، و ترد على الذين كانوا يرون للأنبياء سلطانا مستقلا عن ارادة اللّه، كما فعل المسيحيون عند ما جعلوا من المسيح عليه السّلام المخلّص و المنقذ، فتقول لهم: إنّ الأنبياء أنفسهم يحتاجون إلى رحمة اللّه مثلكم.
[١]- يلاحظ أنّ تركيب عبارة الآية يقتضي أن تأتي جملة «أخاف» بعد جملة «إن عصيت ربى» لأنّها جواب الشرط، غير أنّ تقديمها يفيد التأكيد على عظم إحساس رسول اللّه بالمسؤولية أمام أوامر اللّه تعالى.