الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٢ - قدرة اللّه القاهرة
في الواقع إنّ سبب الاتجاه إلى غير اللّه إمّا لتصورهم أنّ ما يتجهون إليه مصدر الخيرات، و إمّا لاعتقادهم بقدرته و أنّه يدرأ عنهم المصائب و يحل لهم مشاكلهم، و الخضوع إلى حد العبادة لذوي السلطان و المال و القوة ينشأ من أحد هذين الدافعين، هذه الآية تبيّن أنّ إرادة اللّه حاكمة على كل شيء، فإذا منع عن أحد نعمة، أو منح أحدا نعمة، فما من قدرة في العالم تستطيع أن تغير ذلك، فلما ذا إذن يطأطئون رؤوسهم خضوعا لغيره؟
إنّ استعمال «يمسسك» في الخير و الشر، و هي من «مسّ»، تشير إلى أنّ الخير و الشر- مهما قلّ- لا يكون إلّا بإرادته و قدرته.
ثمّ إنّ الآية المذكورة تدحض فكرة «الثنويين» القائلين بمبدأي «الخير» و «الشر» و عبادتهما، و تقول إنّ الإثنين كليهما من جانب اللّه، و لكننا سبق أن قلنا أن ليس ثمّة شيء اسمه «الشر المطلق».
و عليه فعند ما ينسب الشر إلى اللّه فإنّما يقصد به على الظاهر «سلب النعمة» و هو بحدّ ذاته «خير»، فهو إمّا أن يكون للإيقاظ و التربية و التعليم و كبح حالات الغرور و الطغيان و الذاتية، أو لمصالح أخرى.
و في الآية التي تليها إكمال للبحث، فيقول: وَ هُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ.
«القاهر» و «الغالب» و إن كانا بمعنى واحد، إلّا أنّهما من جذرين مختلفين، «القهر» يطلق على ذلك النصر الذي يتحقق دون أن يتمكن الطرف المقهور من إبداء أية مقاومة، و في كلمة «الغلبة» لا يوجد هذا المعنى، و قد تحصل بعد المقاومة، و بعبارة أخرى: القاهر يقال لمن يكون تسلطه على الطرف الآخر من الشمول بحيث إنّه لا يستطيع المقاومة مطلقا كصبّ سطل من الماء على جذوة صغيرة من النّار فيطفؤها فورا.
يرى بعض المفسّرين أنّ «القهر» تستعمل حيث يكون المقهور كائنا عاقلا،