السيرة النبوية عند أهل البيت - الكوراني العاملي، علي - الصفحة ٥٧٦
من أحرق بالنار ، ومنهم من قتل بالسيف ، ومثَّل بهم كل مثلة ! فبلغ عدد من قتل وأحرق بالنار عشرين ألفاً ، وأفلت رجل منهم يدعى دوس ذو ثعلبان على فرس له وركضه واتبعوه حتى أعجزهم في الرمل ، ورجع ذو نواس إلى ضيعته في جنوده فقال الله : قُتِلَ أَصْحَابُ الأخْدُودِ » .
فأمر هرقل عامله ملك الحبشة أن يغزو اليمن ثأراً لشهداء نجران ، فغزا اليمن وهزم ذا نواس الذي ألقى نفسه في البحر وغرق ، وحكموا اليمن إلى زمن سيف بن ذي يزن . قال المسعودي في مروج الذهب : ١ / ٨٩ إن المسيحيين أصحاب الأخدود « كانوا مؤمنين موحِّدين ، لا على رأى النصرانية في هذا الوقت » . لكن أهل نجران تبنوا بعد ذلك عقيدة هرقل في أن المسيح ابن الله .
٢ . رسالة النبي « ٦ » إلى أسقف نجران وأهلها
لما كتب رسول الله ( ٦ ) إلى ملوك العالم بعد الحديبية ، أرسل عتبة بن غزوان ، وعبد الله بن أبي أمية ، والهدير بن عبد الله ، وصهيب بن سنان ، إلى نجران وحواشيها ، وكتب معهم إلى أساقفة نجران يدعوهم إلى رفض الأقانيم والأنداد والالتزام بالتوحيد وعبادة الله تعالى . ونص كتابه ( ٦ ) كما يلي : « باسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب . من محمد النبي رسول الله إلى أسقف نجران وأهل نجران : أسلمٌ أنتم ، فإني أحمد إليكم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، أما بعد فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد ، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد ، وإن أبيتم فالجزية ، فإن أبيتم آذنتكم بحرب ، والسلام . وقيل : كتب لهم آية : قُلْ يا أَهْلَ الْكتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كلِمَةٍ سَوَاءٍ بَينَنَا وَبَينَكمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللهَ وَلا نُشْرِك بِهِ شَيئًا وَلا يتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ » . آل عمران : ٦٤ .
والأسقف أصلها أبيسكوبوس يونانية بمعنى الناظر ، وكان الأسقف أبو حارثة بن علقمة ، الشخص الأول ، والباقون دون رتبته . فلما قرأ الأسقف الكتاب فزع وارتاع وقام وقعد ، وشاور أهل الحجى والرأي منهم ، فقال شرحبيل وكان ذا لب ورأى بنجران : قد علمت ما وعد الله إبراهيم في ذرية إسماعيل من النبوة ، فما يؤمنك أن