السيرة النبوية عند أهل البيت - الكوراني العاملي، علي - الصفحة ٥١٨
للمسير إلى الله بقدم الفكر والهمة ، وهى معارج للارتقاء إلى معرفة الإلهية والإعتلاء إلى شهود جمال الأحدية وصفاته الواجبية ، ومجاورة المقدسين ومنادمة أهل الملكوت والعليين ، من مقاصد أصحاب الوحي والتنزيل ومحكمات أسرار أهل التأويل ، الآخذين علومهم عن الملائكة المقربين والحفظة الكرام الكاتبين . . . فهذا العلم يجعل الإنسان ذا ملك كبير ، لأنه الإكسير الأعظم الموجب للغنى الكلى والسعادة الكبري ، والبقاء على أفضل الأحوال ، والتشبه بالخير الأقصى والتخلق بأخلاق الله تعالى ، ولذلك ورد في بعض الصحف المنزلة من الكتب السماوية أنه قال سبحانه : يا ابن آدم خلقتك للبقاء وأنا حي لا أموت ، أطعني فيما أمرتك وانته عما نهيتك أجعلك مثلي حياً لا تموت . . فهذا مقام من المقامات التي يصل إليها الإنسان بالحكمة والعرفان ! وهو يسمى عند أهل التصوف بمقام كن ، كما ينقل عن رسول الله ( ٦ ) في غزوة تبوك أنه قال : كن أبا ذر ، فكان أبا ذر . وله مقام فوق هذا يسمى بمقام الفناء في التوحيد ، المشار إليه بقوله تعالى في الحديث القدسي : فإذا أحببته كنت سمعه الذي به يسمع وبصره الذي به يبصر . . الحديث . وسينكشف لك في هذا السفر بيان هذا المطلب بالبرهان ويلقى إليك معرفة العلم الذي من أجله يستوجب من علمه وعمل بموجبه تلك البهجة الكبرى والمنزلة العظمي ، فافهم واغتنم به وكن به سعيداً ، ولا تلقه الا إلى أهله العامل بمقتضاه وموجبه » .
أقول : لا كلام في إمكان أن يكون النبي ( ٦ ) قال للسوادة : كن أبا ذر ، فكان على نحو الإعجاز . لكن الإشكال في زعمهم أن ذلك مقامٌ يمكنهم أن يبلغوه هم وأمثالهم ، ودعوتهم الناس أن يتبعوهم لكي يبلغوه ! ولم يكتفوا بذلك حتى اخترعوا مقاماً أعلى منه هو الفناء في التوحيد !
قال صدر المتألهين في الأسفار : ٢ / ١٨ : « فإن المنازل اللائقة بالأولياء هذه ، وكذا يترقون من الواحدية إلى الفناء في الأحدية ، ويسافرون من الحق إلى الخلق » .
وقال في : ٣ / ١٨٣ : « فالعشق الأكبر عشق الإله جل ذكره وهو لا يكون إلا للمتألهين الكاملين الذين حصل لهم الفناء الكلي . وهؤلاء هم المشار اليه في قوله تعالي : يحِبُّهُمْ ويحِبُّونه ،