السيرة النبوية عند أهل البيت - الكوراني العاملي، علي - الصفحة ٥٠٨
قال : إعلموا أن رسول الله ( ٦ ) كان تأتيه الأخبار عن صاحب دومة الجندل ، وكانت تلك النواحي مملكة عظيمة مما يلي الشام ، وكان يهدد رسول الله ( ٦ ) بأن يقصده ويقتل أصحابه ويبيد خضراءهم ! وكان أصحاب رسول الله ( ٦ ) خائفين وجلين من قبله حتى كانوا يتناوبون على رسول الله ( ٦ ) كل يوم عشرون منهم ، كلما صاح صائح ظنوا أن قد طلع أوائل رجاله وأصحابه !
وأكثرَ المنافقون الأراجيف والأكاذيب وجعلوا يتخللون أصحاب محمد ( ٦ ) ويقولون : إن أكيدر قد أعد لكم من الرجال كذا ، ومن الكراع كذا ، ومن المال كذا ، وقد نادى فيما يليه من ولايته : ألا قد أبحتكم النهب والغارة في المدينة !
ثم يوسوسون إلى ضعفاء المسلمين يقولون لهم : وأين يقع أصحاب محمد من أصحاب أكيدر ؟ يوشك أن يقصد المدينة فيقتل رجالها ويسبى ذراريها ونساءها ! حتى آذى ذلك قلوب المؤمنين فشكوا إلى رسول الله ( ٦ ) ما هم عليه من الجزع !
ثم إن المنافقين اتفقوا وبايعوا لأبى عامر الراهب الذي سماه رسول الله ( ٦ ) « الفاسق » وجعلوه أميراً عليهم وبخعوا له بالطاعة فقال لهم : الرأي أن أغيب عن المدينة لئلا أتهم إلى أن يتم تدبيركم .
وكاتبوا أكيدر في دومة الجندل ليقصد المدينة ليكونوا هم عليه وهو يقصدهم فيصطلموه . فأوحى الله تعالى إلى محمد ( ٦ ) وعرفه ما أجمعوا عليه من أمره ، وأمره بالمسير إلى تبوك ، وكان رسول الله ( ٦ ) كلما أراد غزواً وَرَّى بغيره إلا غزاة تبوك فإنه أظهر ما كان يريده ، وأمرهم أن يتزودوا لها ، وهى الغزاة التي افتضح فيها المنافقون وذمهم الله في تثبيطهم عنها ، وأظهر رسول الله ( ٦ ) ما أوحى الله تعالى إليه أن الله سيظهره بأكيدر حتى يأخذه ويصالحه على ألف أوقية ذهب في صفر ، وألف أوقية ذهب في رجب ، ومائتي حلة في رجب ومائتي حلة في صفر وينصرف سالماً إلى ثمانين يوماً !
فقال لهم رسول الله ( ٦ ) : إن موسى ( ٧ ) وعد قومه أربعين ليلة وإني أعدكم ثمانين ليلة ، أرجع سالماً غانماً ظافراً بلا حرب تكون ، ولا أحد يستأسر من المؤمنين ! فقال المنافقون : لا والله ولكنها آخر كرَّاته التي لاينجبر بعدها ، وإن أصحابه ليموت