الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - عبد الرحمن السهيلي - الصفحة ٣٢٦ - البشارة بغزو قريش
..........
قبل أن تغرب الشمس، و قالوا: لم يرد النبيّ- (صلى الله عليه و سلم)- إخراج الصلاة عن وقتها، و إنما أراد الحثّ و الإعجال، فما عنّف أحد من الفريقين، و فى هذا دليل على أن كل مختلفين فى الفروع من المجتهدين مصيب، و فى حكم داود و سليمان فى الحرث أصل لهذا الأصل أيضا، فإنه قال سبحانه: فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ، وَ كُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَ عِلْماً الأنبياء: ٧٩، و لا يستحيل أن يكون الشيء صوابا فى حقّ إنسان و خطأ فى حقّ غيره، فيكون من اجتهد فى مسألة فأداه اجتهاده إلى التحليل مصيبا فى استحلاله، و آخر اجتهد فأدّاه، اجتهاده و نظره إلى تحريمها، مصيبا فى تحريمها، و إنما المحال أن يحكم فى النازلة بحكمين متضادّين فى حقّ شخص واحد، و إنما عسر فهم هذا الأصل على طائفتين: الظّاهريّة و المعتزلة، أما الظّاهريّة فإنهم علّقوا الأحكام بالنّصوص، فاستحال عندهم أن يكون النصّ يأتى بحظر، و إباحة معا إلا على وجه النّسخ، و أما المعتزلة، فإنهم علّقوا الأحكام بتقبيح العقل و تحسينه، فصار حسن الفعل عندهم أو قبحه صفة عين، فاستحال عندهم أن يتّصف فعل بالحسن فى حقّ زيد و القبح فى حقّ عمرو، كما يستحيل ذلك فى الألوان، و الأكوان و غيرهما من الصفات القائمة بالذوات، و أما ما عدا هاتين الطائفتين من أرباب الحقائق، فليس الحظر و الإباحة عندهم بصفات أعيان، و إنما هى صفات أحكام، و الحكم من اللّه تعالى يحكم بالحظر فى النازلة على من أداه نظره و اجتهاده إلى الحظر، و كذلك الإباحة و النّدب و الإيجاب و الكراهة، كلّها صفات أحكام، فكلّ مجتهد و افق اجتهاده وجها من التأويل، و كان عنده من أدوات الاجتهاد ما يترفّع به عن حضيض