محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦٧٠ - الخطبة الأولى
" الذكّر نور العقول، وحياة النّفوس، وجلاء الصُدور" ٩.
العقول تعشو وإن كانت على ذكاء، ويغيم أمامها الطريق في المسائل الكبرى، والقضايا الأهم، العقول تعمى وينسدّ عليها الطريق، وتسقط في الظلمة والضلال إلا بذكر الله. تجده يحمل أعلى شهادة في أعقد علم من علوم المادة إلا أنه يسجد لصنم، ويسلك طريق الشّر، ولا يملك نفسه أمام ما يعلم أنه يقتله من إدمان خمرة أو إدمان فحشاء، ويظلّ حائرا لا يعرف الله، وهو سبحانه وتعالى أظهر ظاهر، وأسطع نور، وليس من ظهورِ ظاهرٍ إلا به.
نعم، والنفوس تبقى ميّتة ولا يحييها إلا ذكر الله. والصدور يجتمع على رؤية القلوب فيها ظلمات وضباب، وكلّ ما يحول بين القلب وبين أن يرى الحق حتى يأتي ذكر الله عزّ وجلّ ليزيح كل تلك الظلمات.
" ذكر الله مطردة الشيطان" ١٠.
فلا يجتمع في قلب واحد أن يحتضن ذكر الشيطان ويحتضن ذكر الله، أن يسكنه الشيطان وذكر الله، أن يسوسه الشيطان ويد الرحمن، فما ذكر قلب العبد ربّه وأصدق الذكر إلا ولّى الشيطان عنه، وإن كان ذلك في أشدّ موارد التحدّي والضغط، وإن كان ذلك في حال تلحّظ الشهوات، وعند أكبر ما يستفزّ الدوافع المادية ويؤججها، تتراجع النفس عن لحظة المعصية وهي على بابها، ورغم كل المغريات حال أن تذكر ربها العظيم، وقد ساق سماحة آية الله العظمى الشيخ محمد طاهر الخاقاني (رحمه الله) حادثة من هذا النوع لأحدهم.
" ذكر الله دعامة الإيمان، وعصمة من الشّيطان" ١١.
أن أقرأ كتبا، أن أشتغل بفلسفة، أن أملك الفكر الذي يدفع الشبهات، أن أُمعن النّظر كثيراً كلّ ذلك وحده لا يحمي قضية الإيمان في داخل القلب، الإيمان داخل القلب يحتاج مع ذلك كله إلى دعامة لا تنهدم، وهذه الدعامة إنما يبنيها ذكر الله سبحانه وتعالى عند كل معصية فتجتنب، وعند كل طاعة فتؤتى.