محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦٦٩ - الخطبة الأولى
وقلبٌ يتوجّه ببصيرته إلى الأسماء الحسنى، وينشدّ إلى أفقها اللامحدود، ويحاول أن يقترب شيئاً ما منها مسترفداً لابد أن يعمُر، ولا بد أن يطهُر، ولابد أن يقوى، ويسمو، ويعلو.
" من عمر قلبه بدوام الذّكر حسنت أفعاله في السّر والجهر" ٦.
أفعالنا تصدر عن قلوبنا، وتأتي الأفعال في مستواها من مستوى ما يكنّ القلب ويختزن، فإذا طهر مضمون القلب جاءت الأفعال طاهرة، والنيّات سليمة. القلب العامر بالعلم، العامر بالتقوى تزكو أفعال صاحبه وتطهر، وتصح.
" مداومة الذّكر قوت الأرواح ومفتاح الصّلاح" ٧.
تبقى الأرواح جائعة، متضوّرة فتمرض، وتضعف، ويتلاشى في داخلها النّور، وتخبو وقدة الهدى في تلافيفها، ولا تصحّ الأرواح، ولا تنهض من سقم، ولا يشتدّ لها عود، ولا تقوى على مجابهة الباطل إلا بزاد، وليس للأرواح من زاد هدى، ومن زاد نور إلا بذكر الله سبحانه وتعالى.
ولا شك في أنَّ الأرواح إذا استقت وتغذّت من ذكر الله عزّ وجلّ صلحت فصلح بعد ذلك كل أثر منها.
" (في الحديث القدسي) أيّما عبد اطّلعت على قلبه فرأيت الغالب عليه التمسّك بذكري، تولّيت سياسته وكنت جليسه ومحادثه وأنيسه" ٨.
وليختر أحدنا بين أن يتولّى سياسة قلبه الشيطان أو الرحمن، بين أن يُعطي مشاعره لربّه يصوغها بعنايته ورحمته ولطفه، وبين أن يستسلم لصياغة الشيطان، بين أن يكون جليسه ومحدثه وأنيسه أعدى عدوّ له وهو الشيطان، وبين أن يكون الجليس والمحادث والأنيس له أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين، ومن هو على كل شيء قدير.
بذكر الله يكون المتولّي لسياسة القلب وجليسُه ومحادثه وأنيسه هو من تخضع له جباه الملوك، وتندكّ أمام عظمته الجبابرة.