محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦٥٥ - الخطبة الأولى
وإذا راجعنا آداب الشريعة وجدنا لظرف قضاء الحاجة أذكاراً، ولمقاربة الرجل أهله أذكارا، ولوجدنا للحظة الأكل ذكرها، فليس للحظة من لحظات المادة أن تستغرق قلب المؤمن، وإنما يبقى قلب المؤمن فيما ينبغي متجاوزاً دائماً حدود المادة والأرض ليكون مشدودا مطلقاً إلى أعظم عظيم، إلى ربّه تبارك وتعالى.
أقرأ الحديث ثانية" قال موسى عليه السّلام: ياربّ إنّي أكون في حال أُجلّك أن أذكرك فيها، قال: يا موسى اذكرني على كلّ حال" قلبك حين يذكرني سيغطي شرفه، وجماله ما قد تتحسس منه من نجس عارض للبدن، ولا تمتد نجاسة البدن إلى القلب الطاهر حين لا يصحب هذه النجاسة مخالفة للشريعة.
الآية الكريمة تقول: ... وَ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَ الذَّاكِراتِ ... ٤ هذه صفة من صفات الإنسان المؤمن ذكراً كان أو أنثى، فالآية الكريمة في معرض إجلال المؤمنين ومدحهم وذلك بأنّهم يُحافظون على إنسانيتهم، ويحافظون على كرامتهم، ويحافظون على رفعتهم بالذكر الكثير لله المتعال.
" الذّاكر في الغافلين كالمقاتل في الفارّين" ٥.
الغافلون غلبهم الشيطان ففرّوا من وجهه هزيمة، وانصرفت قلوبهم عن ذكر الله سبحانه، أما الذّاكر في وسط هؤلاء من أهل سوق مشتغلين بسوقهم، أو من أهل جدل سيّء مشتغلين بجدلهم، ومن أهل أي مشغلة استولت عليهم مشغلتهم فهو صامد في وجه الشيطان، وكلُّ المغريات، وكل الملهيات لم تحدث له صدوداً عن ذكر الله تبارك وتعالى، والشيطان هو الذي يفر من وجهه.