محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦١٢ - الخطبة الأولى
أي عقاب. وامرئ هذا شأنه يكون فيه الجمال المحدود من جمال الله، وتكون فيه الهيبة المحدودة من هيبة الله، وتكون فيها الجاذبية المحدودة من جاذبية الجمال الإلهي، وتكون له المهابة المحدودة من مهابة الله ولكن بالحد الذي يهابه الناس، ويكبر هذا العبد في الأعين وترى أن من ورائه قوّة لا تُقاوَم، وترى فيه الجمال الذي يُخرس الألسن ويكفُّ الأيدي.
ثم إن العبد الآخر ممن لا يخاف الله سبحانه وتعالى يُخيفه من كلّ شيء، وكيف؟ عبدٌ لا يرى قدرة الله وراء كلّ قدرة، وأخذ الله وراء كل أخذ، وفاعليّة الله وإرادته وراء كلّ فاعلية وإرادة، يرى في كل شيء كبر أو صغر وجوداً مستقلا قادرا على النفع والضر فيخاف مَنْعَه النّفع، وإيقاعه الضرر.
حين أراك الوجود المستقلّ الذي تملك أن تضر، وتملك أن تنفع، لك الحيلة على أن تنفع، لك الحيلة على أن تضر، ولا أرى أنك مملوك لله فخوفي يقف عند شخصك، ومهابتي تكون منك، وكل حساباتي إنما تكون لك، أما حين أراك لا تملك حركة ولا سكوناً إلا بإرادة الله، لا تملك فاعلية إلا بفيض من الله، لا تملك قلبك إلا بتمليك من الله عز وجلّ فالخوف مني لا يتّجه لك، والخوف منك لا يتّجه لي، وإنما كل خوفي وخوفك يتّجهان إلى الله سبحانه وتعالى.
أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَ كانُوا يَتَّقُونَ ٧. وآيات عديدة بهذا المعنى، وظاهر هذا الخوف المنفي بالدرجة الحاسمة هو خوف الآخرة. والخوف هنا في الدنيا من الناس وكما تقدم لا يكاد يمسّ قلب الخائف من الله سبحانه