محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٨٧ - الخطبة الأولى
هذه محاولة، والمحاولة الأخرى أن يكون الحديث عن الآخرة لتعطيل الدور التصحيحي في الحياة، وللاغراء بالقعود عن مجاهدة الظلم والانحراف، وأن تقوم الحياة الآخرة في عقيدة هذا الإنسان على الوعود البعيدة من دون أن ترتبط هذه الوعود بحركة الحياة. وعقيدة المعاد عقيدة وعود غيبية صادقة يحياها الضمير، ينطق بها الوجدان، تتحدث عنها كل ذرة في الكون، يقضي بها كمال الله وعلمه وحكمته وقدرته، على أن هذه العقيدة في وعودها الكبرى الصادقة إنما تريد أن تستقيم بالإنسان على الطريق في هذه الحياة، وأن تصنعه الصنع الإلهي الكريم الذي يؤهّله للآخرة.
قضية الآخرة على مستواها العقيدي في حياة الإنسان هي لتصحيح دور الإنسان فرده ومجتمعه في هذه الحياة.
لماذا تمتلك عقيدة المعاد مساحة عريضة في النصوص القرآنية الكريمة ونصوص الحديث الشريف؟ هل لتبقى مجرد عقيدة بلا أي صلة لها في هذه الحياة؟
لو لا الدور التصحيحي، ولولا الدور التربوي والتوجيهي، ولولا ما تملكه عقيدة الآخرة، وما يُراد لها من تصحيح مسارات الحياة من قدرة هائلة على الاستقامة بمسيرة الانسان لما كان اشتغال القرآن الكريم والسنة المطهرة بها أمراً وارداً، فإنما يَرِدُ كل ذلك لأنها عقيدة ضرورية لتصحيح مسارات هذه الحياة، وتقويم الإنسان، وتركيز قيم الحق والعدل والجديّة والفاعلية الخيّرة والهادفية في هذه الحياة.
وثابتٌ جدّاً على مستوى الواقع، وعلى مستوى العقل أنه كلما زاد التوجه الدنيوي، والوله بالدنيا، والسقوط في شهواتها، والتعلّق برغائبها في حالة من الانفلاق على الإنسان ولذة