محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٦٠ - الخطبة الأولى
شيئاً خارجاً عن الذّات. وأن يكون القصرُ عظيما، والحقل عظيما، والسيارة عظيمة لا يعني أن النفس قد عظمت.
إن لعظمة النفس أسباباً لا نجدها في المادّة وتضخّمها في الخارج، إن عظمة النّفس تعتمد على رؤية صحيحة دقيقة فسيحة، وتعتمد على مشاعر نبيلة كريمة، وهمّة عالية، وإرادة خيّرة فولاذية.
عظمة النفس في قدرتها على الاستقامة على خطّ الله الصاعد تبارك الله وتعالى، وأين بريق المادة في الخارج وتعملقها وتضخّمها من كلّ ذلك؟!
كان قوم قارون ينصحونه بالتوازن في النظر، والشعور، والموقف، والأخذ بالحقّ في كل ذلك، والنتيجة لقارون وراء فرحه بالمال، وانشداده إليه، وتعظيمه له، ونسيانه ذاته، عبوديته، وربوبيّة ربّه كانت نتيجة وخيمة قاتلة، فيها هلاك نفس، وذهاب دنيا، وأكبر من ذلك مصير إلى النّار.
هذا فرح لموضوع من الموضوعات الصغيرة وانشغالٌ به، وهذا الفرح يحوّل النفس إلى نفس صغيرة يضمر فيها الشعور بما فيه العظمة حقّا، تجفّ منابع الخير، تضيق النظرة، تتكلّس الذّات، تتحوّل النفس النورانية الشريفة إلى ما يشبه الوجود الطيني في كل مشاعرها، وفي كل رؤاها وخواطرها.
ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَ بِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ [١] ٣.
وقد يقال في المرح أنه أشدّ من الفرح درجة.
[١] سورة غافر: ٧٥.