محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٧١ - الخطبة الأولى
" فإنّه يراك، فإن كنت ترى أنّه (لا) يراك فقد كفرت، وإن كنت تعلم أنّه يراك تمّ استترت عن المخلوقين بالمعاصي" المخلوقون الأقزام، المخلوقون الصغار بالقياس إلى الله سبحانه وتعالى، المخلوقون الضعفاء، المخلوقون العدم بلحاظ أنفسهم تراهم فتهابهم، ثم تجرأ على الله سبحانه وتعالى، إذاً جعلت الله عزّ وجل في حدّ أهون ناظر، لو أن أحدنا كانت تنظر إليه نملة وهو على معصية ما اكترث، أتجعل الله أيها العاصي على حدّ هذا المخلوق الضعيف؟! إنك لتستحي من طفل له شيء من الإحساس والشعور بما تقترفه، فكيف لا حياء من الله، كيف لا خوف من الله؟!
أرأيت كيف تنحطّ النفس، كيف تفقد وعيها، كيف تعمى حتى تكون في مأمن من نظر الله عزّ وجل حسب ما هي عليه من موت الشعور؟ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ ٥، يخشون الله عزّ وجلّ لأنّهم يرونه، يرون عظمته رؤية لا يراها غيرهم، يرون حضور علمه، ومالكيّة فاعليته، وشمول سلطانه، وأنّ نواصيهم مملوكة له، يخشونه لأنهم يرون وجودهم بيده، حياتهم بيده، علمهم بيده، كلّ شيء فيهم بيده، فلا يملكون إلا أن يخشوه. وهم الذين يخشون الله في قبال جاهل قد يرى الله بعض رؤية إلا أنه لا يجيد كيف يخشى الله، كيف يتعامل حسب مقتضى الخشية من الله عزّ وجل، فيقتل المسلم، ويغصب المال، ويضرّجُ أطفالا وشيوخاً ونساء في بحر من دم، وكل ذلك من منطلق الاستجابة لأمر الله حسب ما قد يتصور هذا الجاهل.
فربما نعطي الآية الكريمة هذا المعنى وهو أن الخشية من الله لا يجيدها عملًا إلا العالمون. هذا بالإضافة إلى المعنى الظاهري الأوّل والله العالم.
" أعلم النّاس بالله سبحانه أخوفهم منه" ٦.
الخوف من الله يحتاج إلى علم، يحتاج إلى رؤية شفّافة، يحتاج إلى بصيرة، يحتاج إلى عقل نافذ، وكلما دقّ النظر، وكلّما استقبلت النفس الحقائق ووعتها كلّما صارت أشدّ خوفا من