محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٧٠ - الخطبة الأولى
رضاه، ورضا الله في كمال العبد ورفعته وسموِّه، في طهره وزكاته وعفّته ونزاهته، ونفسٌ عفيفة نزيهة طاهرة هي النفس التي يحبّها الله سبحانه وتعالى، وهي النّفس القريبة منه.
" خف الله كأنّك تراه (فإن كنت لا تراه) ٣ فإنّه يراك، فإن كنت ترى أنّه (لا) يراك فقد كفرت، وإن كنت تعلم أنّه يراك ثمّ استترت عن المخلوقين بالمعاصي وبرزت له بها، فقد جعلته في حدّ أهون النّاظرين إليك" ٤.
أي رؤية من العبد تمكن لله عزوجل؟ المرشح لرؤية الله في الإنسان ليس هو إلا قلبُه. والقلب الذي يرى الله هو قلب طاهر، قلب تزكّى، قلب شفّ بالبُعد عن المعصية، والتزام طريق الطّاعة بالمجاهدة، بالكفاح ضد وساوس النفس، ووساوس النفس لا تدعو إلَّا إلى الانحطاط.
إذا كان قلبٌ لا يرى الله، لا يرى فاعليّته الحاضرة الشّاملة، لا يرى رقابته الدائمة، لا يرى عظمته التي لا عظمة مثلها تُتصوَّر، وإذا كان العبد لا يرى الله سبحانه وتعالى مالكاً لوجوده، لحياته، لنبض قلبه، لكلّ ذرّة من ذرّات وجوده وذلك لموت قلبه، فإن هذا لا ينفي أن الله يرى العبد وأنه مطّلع على جميع أحواله. ومن كان في قلبه شيء من حياة فإنّه لابد أن يكون على علم وعلى شعور وعلى يقظة بأنّ الله يراه.
" فإن كنت ترى أنّه (لا) يراك" لا يعلمك، لا يحيط بك، وكيف لا يحيط الله عزّ وجلّ بمخلوق من خلقه وخلقُه بيده؟! ووجوده يتدفّق عليه كلّ لحظة من فيضه؟! ورزقه لا يصل إليه إلا بأمره؟! وأي حركة منه لا تتمّ إلا عن طريق قدرته؟! يستحيل على الله عزّ وجل أن لا يرى شيئاً من مخلوقاته. يمدّه بالوجود، يمدّه بالحياة، يمدّه بالعلم، يمدّه بالحركة، وهو لا يراه؟! لا يعلمه؟! ورؤية الله للشيء، وسمع الله له بمعنى علمه به وحضور الشيء عنده سبحانه وتعالى.