محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٦٩ - الخطبة الأولى
" (من وصايا الإمام عليه السّلام إلى ابنه الحسن عند الوفاة): أوصيك بخشية الله في سرّ أمرك وعلانيتك" ١.
السرّ قد يُغري بالمعصية، والعلن قد يضغط في اتجاه المعصية؛ فحيث لا تَرى عين مخلوق، النفسُ تشعر بالأمن من كل المخلوقين فلا يبقى إلا الخوف من الخالق. في العلن يتدخّل الخوف من المخلوقين في التوقّف عن كثير من القبائح، إذا كان الوسط منكراً، وإذا كانت العقوبة متوقَّعة. أما في السرّ فالجوّ خالٍ من كل هذا الضغط، فهل لله في النفس مقام فتخافه؟ أو لا مقام لله العظيم في هذه النفس الخسيسة فتجرأ على المعصية؟
وفي العلن ضغط في اتجاه المعصية في بعض الأوساط، التوقّف عن المعصية في هذه الأوساط المنحدرة يحتاج إلى إيمان وثبات وصلابة، فهل يتحدّى الإنسان المؤمن الوسطَ المتسافل الذي يغري بالمعصية، ويعيّر بالنزاهة والالتزام، فيواجه المؤمن هذا التحدّي بتحدٍّ إيمانيٍّ أكبر فيلتزم بما أوجب الله، ويكفّ عمّا حرّم؟ كان على الطالب الجامعي المهاجر للعلم في سنوات خلت أن يواجه بقوة وثبات أشدّ التحدّيات من أجل أن يصوم، من أجل أن لا يقترب من الفحشاء، من أجل أن لا يشرب الخمر، وقليلٌ من كان يصبر.
فخشية الله كما تختبرها عند العبد ظروف الإغراء في السرّ والبُعدِ عن رقابة المخلوقين، فكذلك تختبرها ظروف الضغط في العلن أحياناً التي تُواجِهُ قضية الالتزام بالطاعة، أو تدفع في اتجاه المعصية، وتعيب التوقف عنها.
" إنّ الله إذا جمع النّاس نادى فيهم مُنادٍ أيّها النّاس إن أقربكم اليوم من الله أشدُّكم منه خوفاً" ٢.
من كان أشدَّ خوفاً من الله في الدّنيا فهو الأقرب إليه يوم الآخرة، لماذا؟ ذلك لأن الخوف من الله مؤدّبٌ مهذّب، وآخذٌ للنفس على طريق كمالها، فمن خاف من الله سبحانه طلب