محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٥٦ - الخطبة الأولى
فالدين يتعامل مع دوافع الإنسان، وللإنسان دوافع مقيمة في ذاته، وهي جزء من ذاته، وخطّ من خطوطها، وهو يتعامل مع هذه الدوافع التعامل الذي يرتفع بمستوى الإنسان كما سبق، وكل التيارات الفاسدة تتعامل مع هذه الدوافع التعامل الذي يؤدي إلى أهدافها الخبيثة.
حين يكون الخوف من الله عزّ وجلّ فهو خوف من خسارة الإنسان كماله الذي إنما يلتقيه على خط الله، هو خوف من مفارقة الله التي تعني الانحطاط، التي تعني الانحراف عن الحقّ، التي تعني السقوط من المراتب الإنسانية الرفيعة إلى المراتب الحيوانية الهابطة، الخوف من الله عزّ وجلّ خوفٌ من أن أظلم فأواجه عدل الله، خوف من أن أسقط في ذاتي فيأتي جزاء الله عزّ وجلّ موافقا لسقوط الذات، الخوف من الله عزّ وجلّ خوف من خسارة الارتباط بمصدر القوّة، مصدر الخير كلّه، مصدر الرحمة واللطف والحنان، هو خوف من خسارة العناية الإلهية، من خسارة الرحمة الإلهية، من خسارة اللطف الإلهي، خوفٌ من خسارة الصفات العليا التي لا تنال النفس منها حظّاً إلا بمقدار ما تعلّقت بالله عزّ وجلّ وارتبطت به.
أما الخوف من الطغاة فهو خوف من أن أعدل فأُرفض، أُطارد، أُسجن، هو خوف من أن أعمل على تنزّه النفس، أعمل على رفعتها بينما لا يريد الطغاة لي إلا أن أخسر النّفس، إلا أن أهبط في نفسي، إلا أن أرضى بالدونية، إلا أن أرضى بحياة الانحراف والفساد، الخوف من الطغاة خوف من الأخذ بخطّ الصعود، فخط الصعود بالنفس البشرية شيء يرفضه الطغاة.