محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٥٥ - الخطبة الأولى
ومن الخوف ما هو طبيعي، ومن الخوف ما هو مرضي، فحيث يتعاظم الخوف، ويأتي في غير محلّه، ولغير سبب عقلائي فهو خوف مرضي، وحيث يكون حسب المتعارف، وحسبما عليه طبيعة الإنسان نوعاً فهو خوف طبيعيّ وبنّاء.
ومن الخوف ما هو محرّك، ومن الخوف ما هو معطّل، ويشلّ حركة الإنسان، إذا كان الخوف مرضيّاً فهو يشلّ حركة الإنسان، وإذا كان وهميّا فهو يشل حركة الإنسان، وقد يدفع به في الاتجاه المميت. وإذا كان الخوف موضوعيّاً وعقلائياً ومن ورائه فكر سديد، ورؤية صحيحة فإنّه يحرّك في الاتجاه الصحيح فيباعد بين صاحبه وبين موارد الضرر، ويلاقي بينه وبين ما فيه خيره.
نعم، هناك استثمار حسن كما سبق للخوف، وهناك استغلال سيءٌّ له، حكم الطغاة في الأرض يستغلّ في الإنسان الخوف، ويوظّفه على الطريق غير الصحيح الذي يحوّل هذا الإنسان إلى عبد رخيص، وإلى سلعة رخيصة مستغلّة، والتربية الدينيّة تستثمر الخوف ولكن في بناء الذات، في تصحيح المسار، في الأخذ بالإنسان على الطريق إلى الله سبحانه وتعالى صاعداً مستكملًا ما يطيقه وجوده من كمال.
القرآن آيات كثيرة منه توظّف عامل الخوف في النفس، ولكن من أجل السموّ بهذا الإنسان، من أجل تجنيبه المزالق وموارد السقوط، من أجل الارتفاع بمستواه وتنزّه ذاته.
تربية الاستغلاليين والاستكباريين في الأرض لجماهير الناس تستغلّ الخوف في داخل الإنسان من أجل أن يفقد قدرته في المواجهة، من أجل أن يستكين، من أجل أن يتقبّل حياة الاستنزاف والاستغلال والاستعباد.