محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤١٦ - الخطبة الأولى
والمسلم وهو يقرأ آيات الله عزّ وجلّ، ويسمع عن مائة وأربعة وعشرين نبيّاً يُنذرون بالآخرة ويُبشّرون بها، وهو يلاحظ في الوقت نفسه أن ليس شيء في هذا الكون قد خُلق عبثاً، كم يحتمل صدق الوعد والوعيد بالآخرة إن لم يكن من أصحاب اليقين؟!
فلنتّق الله في النفس، ولنشفق عليها، ولنخلص لها، وقد خان نفسه وظلمها من لم يأخذ بها على طريق الجنّة، ولم ينأ بها عن طريق النّار.
والآن نقف مع بعض الآيات الكريمة التي تتحدث عن عقيدة المعاد:
للتشكيك في عقيدة المعاد مناشئ، والآيات الكريمة تسدّ أبواب هذه المناشئ، وتُبيّن بطلانها حتى لا يعتري عقيدةَ الآخرة شكٌّ مقبول عند انسان
من مناشئ التشكيك في الآخرة ويوم المعاد أنّ هذا الكون قد خُلق عبثاً، لكن الآية الكريمة تبيّن أن لا احتمال للعبثية في خلق الكون، ولا وجه يدعو لهذا الاحتمال أساساً أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ١.
الآية الأولى تربط بين عدم الرجوع إلى الله عزوجا بين عدم الآخرة وبين العبثية، فحيث لا آخرة تثبت عبثية الخلق، ونقبل بأن هذا الكون بما يغنى به كلّه وكلّ ذرة فيه من دقّة وتصميم فائق ومعجز إنما خُلق عبثاً، وبلا حكمة، وفاقداً للهدف، ونسلم بأنّ الله تبارك وتعالى مثالُه على تقدير عدم الآخرة والبعث والمعاد مثال البنّاء العابث الذي يبني القصر وحال ما ينتهي من بنائه يهدمه، وهكذا دأبه يبني القصر فيهدمه، ثم يبني آخر فيهدمه تقدّس ربنا عن ذلك وعلا علوّا كبيرا.