محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤١٤ - الخطبة الأولى
ومن اعتبر لا تكون الدنيا همَّه، ولا يرضاها غايةً ينتهي إليها سعيُه. فالجدَّ الجدَّ على طريق الحياة الأخرى، فهي الحياة الغاية وهي الحيوان لو كانوا يعلمون.
اللهم أعذنا من الاغترار بالدّنيا، ونسيان الآخرة، واجعل تنافسنا على دار البقاء لا الفناء، وأنِر بصائرَنا في دينك، واهدنا لما اختُلف فيه من الحقّ، ولا تجعل للشيطان طمعاً فينا يا كريم. اللهم أيئِسهُ من أن يُنال منّا مبتغىً له، أو يجد إلى قلوبنا سبيلًا، اللهم اغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، وصلّ على محمد وآله الطاهرين يا أرحم الراحمين.
أما بعد فالحديث في المعاد:
إنّه كلّما صحّت العقيدة وحقّت وسمت، وكلّما اقتربت النّفس من اليقين بالمعتقد الصحيح، كلّما كان الاطمئنان، وكانت الراحة النفسيّة، والهدوء والسكينة، وكلّما استقامت النفس وقويت وصلُب عودُها على طريق الجهاد، وكلّما تجاوزت صغائر الأمور وتوافهها، وامتدّ البصر بعيداً، وانفسحت الرؤية، وكبُرت المشاعر، وتعملقت النفس سموّاً، وازدادت نقاءً وصفاءً وشفافيّة. ما أحلى اليقين بعقيدة صحيحة سليمة. وإن السعادة كلّ السعادة في يقينٍ بمعتقد صحيح.
ولكن هل مجاهدةُ النفس على الطريق القويم، وعلى الاستعداد للآخرة متوقّفٌ على اليقين الجازم بالآخرة؟ هل لابدّ من يقين ثابت أكيد بعقيدة الآخرة حتى أُقاوم النّفس وأجاهدها على طريق الله وطريق الآخرة؟