محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤١٥ - الخطبة الأولى
لاشكَّ أن المطلوب الكبير هو اليقين، وأنّ عطاءات اليقين لا يملكها الظنّ ولا الاحتمال، ولكنّ عقيدة الآخرة يكفي لأن يتجاوب معها المرء، وأن يقاوم النفس على ضوئها بأن يكون هناك ولو احتمال، لماذا؟ إمّا خسارة لا تُعوّض، وإما ربح لا يبلغه ربح.
أنت حيث تحتمل في هذه الحياة الدنيا أنك تربح في تجارة مليون دينار في يوم واحد، وقد يكون احتمالك بمقدار عشرة في المائة أو بمقدار خمسة في المائة، هذا الاحتمال الضعيف يدفعك لأن تدخل في هذه التجارة، على عكس ما لو كان محتملُك أنك تربح مائة فلس، المحتمل أنك تربح مائة فلس وهي لا تمثل عندك قيمة، واحتمالك هو عشرة في المائة أو حتى ثمانية في المائة فإنك هنا لا تجهد نفسك، ولا تحمل عليها نصباً، وماذا يساوي مليون الدينار من جنّات الخلد التي أعدها الله للمتقين؟! فافرض أنك تحتمل الآخرة بمقدار عشرة في المائة، هذا كافٍ جدّاً لأن تجاهد النفس لتستقيم على طريق الله وطريق الآخرة.
وإذا احتملت أن في الطريق أسداً مفترساً، ومقدار هذا الاحتمال خمسة في المائة، تسلك هذا الطريق أو لا تسلكه؟ العقل والعقلاء يقولون لك لا تسلك، لأن المحتمل خطير جدّاً، أما لو احتملت أن ديكاً في الطريق يقفز في وجهك فيخدشك قليلًا، واحتمالك خمسون في المائة، ثمانون في المائة، هل يوقفك هذا عن سلوك الطريق؟ لا يوقفك، ونار الآخرة لا يُساوي افتراس الأسد منها شيئاً، عذاب الأبد، والخلود في الشقاء احتمال يردع العاقل عن أن يسلك الطريق إليه ولو كان بمقدار اثنين في المائة.