محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٨٦ - الخطبة الأولى
عقيدة المعاد تتلون بها الحياة، وتتحدد من خلال الارتباط بها أو عدم الارتباط بها مساراتها، فالاهتمام فيها كما هو اهتمام لازم بالمصير، فهو اهتمام لازم كذلك بالحياة، كيف نحيى؟ فيما ننفق حياتنا؟ كيف نسلك؟ كيف نقيم علاقاتنا؟ ما هي أولوياتنا في هذه الحياة؟ كل ذلك وغيره يجيبك عليه بدقّة مدى الارتباط وعدم الارتباط بعقيدة المعاد.
والحديث عن الآخرة والمعاد لا يعني مطلقاً الهروب عن قضايا هذه الحياة أو التعطيل لها، إنما هو إضاءة لكيفية التعامل مع هذه المساحة من الوجود، والحديث هنا إيقاظي تذكيري كما مر أكثر منه بحثي نظريّ.
وهناك محاولتان تدميريتان فيما يتعلق بعقيدة المعاد والحياة والصلة بينهما، أن يغلق الحديث عن الآخرة تماماً فتتحرك الحياة في جميع مساراتها وأبعادها بعيداً عن عقيدة المعاد، منفصلة عن هدفها، عن قيمها، عن انعكاساتها الكبرى على هذه الفاصلة من وجود الإنسان وهي أهم فاصلة في وجوده من ناحية البعد الإرادي في ذاته، وانعكاسات هذا البعد على قضية المصير.
وتحرك الحياة بعيداً عن عقيدة المعاد يعني الانغماس في الطين؛ تنغمس الروح، الأفكار، المشاعر، الأهداف في الوحل، وأن يكون التنافس والاقتتال على حدّ ما هو عند البهائم وأدنى الحشرات، انفصال الحياة عن قضية المعاد يعني أن يخسر هذا الإنسان كل إضاءات الروح فيه، وإشعاعات نفخة الروح في ذاته، قل إنه بانفصاله عن عقيدة المعاد إنما يخسر ذاته، وغاية حياته.