محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٦ - الخطبة الأولى
فينبعث هذا البعد حيّاً بعد موت، وينمو، ويتسامى ليعيش الإنسان مستوى جديداً من الحياة الإنسانية التي يفقدها كثير ممن يمشي على رجلين.
فهذه الحياة الجديدة هي حياة فكر مرّة وحياة روح مرّة أخرى ولا حياة طيبة مع سبات روح، ولن يحيى الإنسان كامل إنسانيته، ولن يحيى الإنسان أرقى حياة إلا حين يتنبّه في داخله البعد الروحي، ويُعطى هذا البُعد فرصة الانبعاث.
هذه الحياة الطيبة أين يحياها الإنسان؟ واضح جدا أنه يحياها في هذه الحياة الدنيا قبل أن يحياها في الحياة الآخرة، وإنها لسرّ سعادته في الآخرة، وسر منزلته الكبرى عند الله هناك.
وتقول الآية الكريمة: وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ذكروا وجوها لمعنى الآية الكريمة، ومن بين أظهر هذه الوجوه وجهان:
وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ تعني في فهم صاحب الميزان التجاوز عن بعض النقص في العمل، وعن شوائب تعتري العمل بحيث لا تفسده في مقام جزاء الله عز وجل لمن عمل صالحا وهو مؤمن، هذا العمل يُعطَى قيمة، أحسن صورة له، أتم صورة له، فبعد أن جاء من العبد على نقص، جاء من العبد على ثلمة، وفيه شوائب بحيث لا تفسده، يأتي تجاوز الله عز وجل وإحسانه ليبلغ جزاء هذا العمل عند الله مبلغ أحسن وأتم صورة له وكافة قد تحقق بهذه الصورة.
الوجه الثاني هو أن الإنسان يصلي صلاة فيها نقص، ويصلي صلاة أخرى هي أتم من الأولى، وصلاة ثالثة تكبر على الاثنتين، وفي مقام الجزاء يرفع عمله إلى مستوى أحسن صلاة جاء بها.
صاحب الميزان يستظهر الأول وقد يكون الثاني ليس أقل ظهورا إن لم يكن أشد. والله العالم.