محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٨٧ - الخطبة الأولى
مرتقى للنفس بعيد، ومستوى شاهق، وحالة تحرّر جذري عميق، وانطلاقة موغلة في السّموّ، وقوة هائلة أن تتفلت الذّات الإنسانية التي تعيش في الأرض، وحاجات الأرض، وعلائقَ الأرض، وتحاصرها موازين الأرض وقيمها، ورؤية أهلها في فكرها وشعورها وعملها من كلّ جواذب الأرض ومؤثّراتها ومقاييسها حتى لا تنظر إلى شيء من ذلك، ولا يستلفتها، ولا يملك منها ذرّة اهتمام فيما تأتيه من خير، أو تجتنبه من شر، وما تنجزه من عمل صالح، وتمتنع عنه من سوء؛ فلا يكون لها شيء من التوجّه فيما تفعل وتترك، وتقول وتسكت إلّا لوجه الله الكريم، ولا نظر لها فيه إلا أمره ونهيه، ورضاه وسخطه ٢.
وأكبر مجاهدة يخوضها إنسان مع نفسه في درجات الطاعة هي الإخلاص لله عزّ وجلّ فيما يأتيه ويدعه من قول أو فعل في سرّ أو علن.
فالوصول بالنفس إلى ممارسة الطاعة الخارجيَّة، وحملها على ذلك دون أن تبلغ درجة الإخلاص في العمل، والتوحيد الصادق فيه بدرجات ودرجات ٣.
كم هو الفرق بين أن أؤدي الصلاة أفعالًا وأقوالًا، وبين ألّا يميل قلبي عن الله فيها، أو يطمع في غيره، ويخشى مَنْ دونه، ويقدِّر من سواه في لحاظ، في قول، في فعل من أفعال الصلاة؟! ٤.
وماذا يصنع النفس نقيّة، طاهرة، زكيّة، قويّة، مطمئنة، راقية، سامقة، آمنة، هانئة، سعيدة غيرُ الانشداد إلى الله، رؤيته، الشعور برقابته، وقوّته، وعظمته، ولطفه، ورحمته، ودرئه وحمايته؟!