محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٧٤ - الخطبة الأولى
ما يصل إلى النفس من كلمة يُعطي أثره، وما للكلمة الطّيبة من أثر غير ما للكلمة الخبيثة، وما للكلمة العالية غير ما للهابطة السافلة.
وصورةٌ عن مشهد خارجي تتلقاها النفس فتهتزّ لها عِبرةً واتّعاظاً، وصورةٌ عن مشهد آخر من مشاهد الخارج تدخل عليها فتعْصِف بدينها، ووقارها، وتعقّلها، وتتجاوز بها كلّ حدود الدين، والشرف، والفضيلة، وتُسقط تعقّلها ووقارها، وتأخذ بها إلى أقبح القبائح، وأفحش الفواحش، وأسوأ السوء ٢.
والإنسان مسؤول عن حراسة عقله وقلبه ونفسه من سموم الخارج وملوّثاته، مما فيه ذهاب دينه، والقضاءُ على شرفه وإنسانيته.
ومن هذه الحراسة ما تأمرنا به الآية الكريمة: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ، وَ قُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَ يَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَ لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها ... ٣.
والآية الكريمة تُحمّل المجتمع المؤمن مسؤوليتين في هذا المجال هما أن يغضّ المؤمنون والمؤمنات من أبصارهم توقّياً من فتنة الخارج إذا وجدت أن تصل بتأثيرها السيئ إلى النفس فتفسدَها، وأن لا يتعمّد استحداث ما فيه فتنة للنفس مما حرّم الله، ولا تعرية ما فيه فسادها، وعرضه للعيون مما يُمكن أن يناله الستر فيحجبَ فتنته؛ كما في الفروج وزينة المرأة إلا ما استثنته الآية الكريمة.
ولنطالع شيئاً من أحاديث المعصومين عليهم السلام في النظر:
عن الإمام علي عليه السلام:" العُيُونُ مَصائِدُ الشّيْطانِ" ٤.
كما يُصطاد الطير عن طريق المِصيَدة، يَصطاد الشيطانُ العقولَ والقلوبَ عن طريق العين بما تنقله إلى النّفس من صُوَر تتحدث لشهواتنا. فمن أطلق نظره للمحرّمات مكّن الشيطان من نفسه، وفتح باباً نافذاً لها يعطيه الهيمنة على وجدانه، ويجعله في قبضته.