محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦١ - الخطبة الأولى
ولهذا يستثير القرآنُ الكريم منطِقَ العقل، وإنكارَه على من يبتغي ديناً لا يرجع فيه بالطّاعة والتسليم والانقياد لله، أو التلقّي منه سبحانه، ويقصد به غيره، ويعتمد فيه على من عداه.
أَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ٢.
ليس من خالقٍ إلا الله، ولا تدبير لشيء مما خَلَقَ من غيره، ولا قَدَرَ إلَّا قدره، وليس من شيء في الكون كلِّه إلا وهو مستجيب لمشيئته، منقادٌ إليه في الأمر الذي يُحبّ ويكره، ومن لم يستسلم لأمره التّشريعيّ فهو مستسلمٌ لأمره التكوينيّ. ثمّ إنَّ مرجع كلّ نفس إليه، ولا ترجع بعد الموت إلى غيره مما اتخذته إلاهاً، ولا تقف في حسابها إلا بين يديه.
فهل لأحدٍ من بعد هذا أن يُنشئ ديناً، ويصدر أمراً ونهياً مستقِلًا عن الله، وأن تكون له طاعة وهو مملوك لا مالك، مقهور لا قاهر، فقير لا غني، معدوم لا وجود له إلَّا بالله، ميِّت لا حياة له إلا بإحياء منه؟!
السؤال مطروح على العقل، والعقل لا يتردّد بفطرته عن الجزم بسخف الدَّعوى بثبوت هذا الحقِّ لغير الله عزّ وجلّ، وبِسُخف الاستجابة لدينٍ ليس من تنزيله، والطّاعة لأمرٍ ونهي مستقلّين ممن سواه.
وهل هذا الدين إلا ظلمٌ بيِّن، وتحكّم صِرْف، وسيادة بلا سبب؟!
وما هو دين الله الذي لا دين سِواه، ولا يقبل من أحد غيرَه؟