محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦٠٥ - الخطبة الثانية
هناك لغة قديمة، قد حصل التسويق لها حتى على المستوى الديني، وهي لغة العالم المادي اليوم بدوله الكبيرة والصغيرة. فصيح هذه اللغة أن السيف الذي يسفك الدماء حتى يسيل أنهاراً، ثم يحكم يكون حكمه حكماً شرعيّاً ١٥.
صحيح أن هذه اللغة هي لغة الغاب، لغةُ الحيوان الأعجم لكنها أيضاً لغة الإنسان الذي يتخلّى عن دينه وإنسانيته، وقيمه.
بدأ وعيٌ يُناهض هذه اللغة في كل الدُّنيا ومعه إرادة جادّة، جهدٌ عملي، تضحياتٌ، تصميم، اندفاعة قوية تنتشر وتعمُّ كلّ المجتمعات الإنسانية في مقاومتها. والمعركة ضارية، ومكلفة، ومستمرة، ولكنَّ النصر فيها لروح التحرّر لا الاستعباد، لصوت العزّ والكرامة، لا الإذلال، للحقِّ لا الباطل، للشّعوب التي طال قهرها، لا للحكومات المتغطرسة.
هكذا منطق التاريخ .... منطق الواقع .. وعد الله، والله لا يخلف وعده.
تستطيع أيّ سلطة أن تكون جزَّاراً متوحِّشاً تقتل من تقتل من شعبها، وتُحدث في صفوفه تصفيات جسدية واسعة، ولكنّها لابد أن تعلم حينئذ أنها تضع نفسها وشعبها والوطن الذي تحكمه أمام أصعب الخيارات، وأشد الطرق خطورة، وأقسى العواقب مأساة وكارثة ١٦.
وذلك ما لا تفعله حكومة لها شيء من رشد.
المسار الذي تسلكه الأوضاع على يد السلطة هنا مسار جنوني لا عقل فيه. تصعيد أمني متواصل ... قتل من النوع الوحشي خارج القانون ... قمع جماعي بلا هوادة ... إعراض تام عن الإصلاح ... نشر لحياة الرُّعب والهلع في نفوس المواطنين ... استعلاءٌ فوق العادة على كل نداءات العقل والحكمة والقانون ... إنّه المسار الذي لا يستهدف إلا هدم المجتمع، وتدمير الوطن، وإغراقه في المأساة.