محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦٠ - الخطبة الأولى
وإذا كان الدّين بكلّ هذه الأهميَّة، وله الأثر البالغ الصّالح أو السّيء على أوضاع الحياة والإنسان في دنياه، وآخرته، وكان لابدّ من دين لحاجته الفطرية خَطُرَ جدّاً أن تُتلقّى صورة الدين عن طريق الوراثة والتقليد ومجاراة الأعراف استجابةً للنظرة السّطحيّة، والعواطف البلهاء، بعيداً عن التّدقيق الفكريّ، والنّظرة العقليّة الحرَّة العادلة.
قول العقل في الدين:
خيار الدين لا يكون بلا عقل إذ لا رُشد في خيار لا يدعمه العقل، ولا يُؤدّي إليه نظره الدّقيق، ولا تحتضنه الفطرة الصافية.
والعقل لا يضع الدين، ولا يهتدي لتفاصيله، ولا يملك إحاطةً تامّة بكلّ المصالح والمفاسد الواقعية للأفعال التي يعتمدها الدّين في وضع الأحكام وتنظيمها. ولكنّه قادر ١ على أن يدلّ الإنسان على مصدر الدين، ومن له أن يُشرِّع للحياة، ومن له حقّ الطّاعة على الإنسان، ويعلم بكلّ ما يصلحه ويفسده، وبكلّ دقائق الأنفس والكون والحياة.
العقل مدركٌ بكلّ وضوح أنَّ خالق الكون والحياة والإنسان هو وحده مَنْ له أن يُشرّع له، وأنَّ علمه وحده هو الذي يُغطّي حاجة التشريع بما تتطلبه من استيعاب تامّ، وإحاطة شاملة لكلّ ما عليه شؤون الخلق، وخصائص الموجودات، وعلاقات الأشياء، وما يتطلّبه صلاحُها، وما يجرّ إليها الفساد.
العقلُ لا يشير لغير الله خالقاً، ومُدبّراً، وربّاً في التكوين والتشريع، ولا يُعطي لمن سواه سبحانه الحقَّ الذاتي في الطّاعة المطلقة.