محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٣٨ - الخطبة الأولى
ولا تصرف تأميلهم في العفو عما أتت أيديهم عنه. ذلك لصدق معرفتهم بتنزّهه وجماله وكماله، وأنه العليم الذي لا يضلّ، والحكيم الذي لا يلغو فعله ولا يجهل، والعدل الذي لا يجور، والرحمان الرحيم الذي لا يأس من رحمته، والمحسن الذي لا ينقطع الأمل من إحسانه ٥.
وعن الإمام الحسين عليه السلام في دعائه:" أنت الذي أزلت الأغيار عن قلوب أحبائك حتّى لم يحبّوا سواك ..." ٦.
تلك قلوب شفّت وعلت وسمت بمعرفة ربّها وتوحيده فتمكّن منها حبّه، وشغلها شوقه فلم يشغلها جمال في عباده من عطائه عن جماله، وأذهب عن كل كمال نظرَها كمالُه، وخلصت فارغة من كلّ ذكر لذكره، وكلّ ذلك برحمته ولطفه؛ فإن تحبّ أحداً من أهل طاعته فمن حبِّه، وإن تعظّم أحداً فمنظورها في ذلك تعظيمه ٧.
وهذا الحبّ التبعيُّ ما هو إلّا انعكاس للحبّ الأصل المتجذّر في قلب صاحبه المستأثر به، ولتأكّده وقوته واشتداده. ذلك الحبُّ الأصل الآخذ بالقلب كلّه، والمستولي عليه لا يُبقي حبّاً آخر يأخذ منه موقعاً أيّاً كان ذلك الموقع في ضيقه ومحدوديته. لا يأتي مع حبّ الله في قلب صدق حبُّه له إلا أن يكون من الحبّ التابع له، وما كان المنظور فيه حبّه سبحانه، وهو المحرّك له.
حبّ الغير المفصول عن حب الله عزّ وجلّ نعل وضيعةٌ لا يمكن أن تُصافّ طهر وقدس الحبّ الإلهي في القلب العامر بحبّه.