محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٢٠ - الخطبة الأولى
وللآخرة شأن آخر فنعيمها مقيم، وشقاؤها طويل، وأهل النّار فيها همهم متصل، وغمّهم مغرق، وفرجهم بعيد بعيد.
يقول الكتاب الكريم: كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ ١٤.
وعن الرسول صلّى الله عليه وآله:" ما من همٍّ إلَّا وله فرج إلا همَّ أهل النار" ١٥.
فإنْ ثَقُل هم الدنيا على النفس، وضاقت بأحزانها مع ما هي إليه من انصراف وانقضاء، ولا تبلغ من همّ الآخرة وحزنها شيئاً فليكن للعاقل من ذلك ما يجعله يتّقي غضب الله، وعذاب اليوم الآخر، وهمّ النّار وغمّها، والخلود في الحزن المطبق الشديد المقيم الذي لا يملك الإنسان ما ينقذه منه، ويخرجه من غيهبه.
حزن متبادل:
بين القلوب المتجانسة المتقاربة إيماناً، المتشابهة نوراً جسورٌ ممتدّةٌ رغم تباعد المسافات، وعدم تعارف الوجوه، بينها تواصل في السراء والضراء، وتأثير وتأثر في الأحزان والأفراح، وما يلقاه أهلها مما تحمله الدنيا لسكانها من خير وشر.
هذا ما يُنبء به الحديث عن المعصومين عليهم السلام. ومن كان له هدى من هدى أهل البيت عليهم السلام، ونور من نورهم، وعنده صدق ولاء ومعرفة بهم وبحقّهم يجد كما في الحديث حزناً في نفسه لحزنهم، وفرحاً لفرحهم.
علل الشرائع:" عن أبي بصير، قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام ومعي رجل من أصحابنا، فقلت له: جعلت فداك يا بن رسول الله، إنّي لأغتمُّ وأحزَن من غير أن أعرف