محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٨ - الخطبة الأولى
٢. وبهذا التردّي الواضح، والسّقوط الفاحش، والبُعد النائي عن مستوى إنسانية الإنسان يأتي تعبير الآية الكريمة عن هذا الصنف من الإنسان باسم الإشارة للبعيد تقول الآية .. أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ ... ٩ إشارة إلى ذلك البعد المتنائي، والموقع السافل الخسيس الذي صاروا إليه عمّا أكرمهم الله به، وميّزهم من بين خلق كثير بموهبته، وهيّئهم له عندما انحدروا إلى مستوى الأنعام غير الفاقهة أو الباصرة، أو السامعة بما عليه بصر الإنسان وسمعه المنشدّ إلى وعيه، وعظيم إدراكه، وقدرته على بناء المعرفة البعيدة العميقة الواسعة مستفيداً مما يقدّمه له سمعه وبصره.
هذا قسم من النّاس كالأنعام. منه كما منها معلوفة وسائمة: معلوفة تعيش سمنة ودلال الأكل والشرب في راحة واسترخاء ١٠، وسائمة تبحث نهارها عن الماء والكلأ، وتصبّ جهدها كلّه في هذا السبيل ١١.
ولا همّ للنوعين إلا لذةُ بطن وفرج، وما يحمي من مأوى وكسوة من أضرار البدن، وما قد يعتريه من توجّعات.
خلت الحياة عند هذا القسم من الناس بنوعيه من غايتها الكبرى، وهدفها العظيم وخلصت للعلف والتقمّم، ونزوات البدن وشهواته. تقول الآية الكريمة ... وَ الَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَ يَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَ النَّارُ مَثْوىً لَهُمْ ١٢.
ويتنزّل القرآن الكريم بذلك الكثير من الجنّ والإنس الذين اغتالوا إنسانيتهم بأيديهم، وانحدروا عن طريقها بإرادتهم إلى طريق جهنّم متّخذين إياها غايةً لهم ١٣ عن منزلة الأنعام حيث يقول ... بَلْ هُمْ أَضَلُ ١٤.