محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤١٥ - الخطبة الأولى
وحياة اللهو والمجون والشهوات، والاشتغال بأكبر المسائل من منطلق التعلّق بالدّنيا ومن أجلها، وعبادة لها يُعطِّل التفكير في الأهم من مسائل الكون والحياة والمصير ٥، ويحول بين العقل ورؤية الحقّ، وبين القلب والانفتاح عليه أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها ٦.
ومن كان له عقل وفهم لم يترك الحقَّ إلى الباطل، ولم يقدّم السيء على الحسن، ولم يكتفِ بالحسن عن الأحسن، ولم يمرّ بالآيات أعمى وأصمّ، ولم يشغله الهزل عن الجدِّ، ولم يُسلِّم للشيطان أمره، ولم يدخل أمراً من غير تبصّر، ولم يقضِ فيه من غير تفكّر.
وأدلّ دليل على فقدان الرشد، وضلال الرأي أن يختار الإنسان أسوأ المصير، وأشرّ العواقب، وصحبة أهل النّار ٧.
يقول سبحانه في كتابه العزيز ... فَبَشِّرْ عِبادِ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَ أُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ ٨.
ويقول تبارك وتعالى وَ قالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ ٩.
نعم يكتشف من صار من النّاس إلى النار ممن كان يرى نفسه ذكيّاً، وله عقل وألمعيَّة، وفطنة وخبرة، وحصافة رأي، وحكمة أنه كان بلا سمع واع، ولا عقل مدرك، وأنه كان أغبى الأغبياء باختياره طريق النّار، وتقديمه للشقاء الطويل على السعادة.
ولما كان وزن الرجل في عقله كان تكليفه بقدره، ومؤاخذته لا تزيد عليه ١٠، وجزاؤه على حد معرفته ١١.
عن الإمام الباقر عليه السلام:" مما أوحى الله إلى موسى عليه السلام: أنا أؤاخذ عبادي على قدر ما أعطيتهم من العقل" ١٢،" إنما يُداقّ الله العباد في الحساب يوم القيامة على قدر ما آتاهم من العقول في الدّنيا" ١٣.