محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣١٧ - الخطبة الأولى
ونفس المؤمن في الجنّة وهي عارفة بالله، شاعرة برضاه لا تعدل سعادتها بهذا الشعور سعادة، ففي تلك المعرفة، وذلك الشعور كلّ أمنها وعزّها وفخرها ورضاها عن ذاتها، وغناها بالمعنوية الكبيرة، ونيل الفوز العظيم.
تلك المعرفة اليقينية بالله، وذلك الشعور النابت الثابت الراسخ غير المهتزّ ولا المتبدّل لا يوفّران يقيناً بالغنى المادي والحياة الدائمين فحسب وإنما يُكسبان التمتع القائم بالشعور بالمعنوية والكرامة، والنظر إلى الذات بنظرة الرضا والاحترام ٤.
اقرأ قوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَ مَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَ رِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ٥.
نعمة الخلود في جنّات تجري من تحتها الأنهار، والمساكن الطيّبة في جنات عدن نعمة ما أجلّها وأعظمها من نعمة، ورضوان الله أعظم وأجلّ، وهو النعمة التي لا تسمو إليها نعمة.
الملك العريض في الجنّة والذي تُقدِّم الكلمة عن الإمام الصادق عليه السلام عنه شيئاً من الوصف بهذا البيان:" إن أدنى أهل الجنّة منزلًا لو نزل به الثقلان- الجن والإنس- لوسعهم طعاما وشرابا، ولا ينقص مما عنده شيء" ٦؛ هذا الملك فيه سرور للنفس، ولها منه اطمئنان، ولكن شعور العبد برضا ربّه الحقِّ الذي لا ربّ سواه، ولا مالك غيره، ولا عظمة كعظمته، ولا جلال كجلاله، ولا جمال كجماله عنه هو السرّ الأكبر لسعادة العبد، وشعوره بجمال وجوده والحياة، وهو المؤمِّن الذي لا مؤمِّن يقوم مقامه ٧.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم أحينا في طاعتك، ولا تجعل لنا دنوّاً من معصيتك، ولا تمتنا إلا على دينك وملّتك، وصيّرنا إلى جنّتك ورضوانك ورحمتك يا حنّان، يا منّان، يا كريم.