محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣١٦ - الخطبة الأولى
فلو ملك القلب صورةً يرى منها جمال الجنّة لما استقرّ من صاحبه مكانه، ولزهقت النفس شوقاً لذلك الجمال.
فمما جاء تتمّة للنصّ السابق:" فلو شغلت قلبك أيها المستمع بالوصول إلى ما يهجُم عليك من تلك المناظر المونقة لزهَقت نفسك شوقاً إليها، ولتحمَّلتَ من مجلسي هذا إلى مجاورة أهل القبور استعجالًا بها" ٢.
ولتكن الدُّنيا أجمل ما تكون، وليكن خيرها أوفر خير، ولذتها أكبر لذّة، ونعمها أغزر النعم، و لكن ما دام الإنسان مهدّداً بالفناء، ولا يقين له ببقاء نعمه، وكان على موعد من الموت قد ينتظر به أ و لا ينتظر فيداهمُه في أي لحظة فإنّ النعمةَ لا تتم، والدنيا لا تهنأ، والنفس لا تستقر، والمشاعر لا تهدأ.
والجنّة نعيم شامل دائم، وحياة لا تنقطع، وهناء مستمر، لا يتهدّد ساكنَها فقرٌ ولا مرض، ولا خوف، ولا فناء؛ فلا شيء ينقصُ سعادتها، ولا شيء يُزلزلها، ولا شيء يأتي عليها، ولا شيء يتهدّدها على الإطلاق.
وتتحدث الكلمة عن الإمام علي عليه السلام عن الجنَّة بهذا الحديث:" ... لا يبيد نعيمها، ولا يضمحلُّ حبورها، ولا ينقطع سرورها، ولا يظعنَ مقيمها، ولا يَهرَم خالدها، ولا ييأس ساكنها، آمنٌ سكّانها من الموت فلا يخافون، صفا لهم العيش، ودامت لهم النِّعمة في أنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذّة للشاربين ..." ٣.
خير الجنّة، ونعيمها، وسرورها لا تعرضه نهاية، ولا تقطُّع، ولا يمسّه فتور. فحياة الجنّة حياة لذّة دائمة، وسرور متصل، وهناء شامل، وأمن ثابت، ورضا متدفِّق، وسعادة قائمة بلا أمد.