محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٠٩ - الخطبة الثانية
بين الحق والقانون:
لا حياة على المستوى الاجتماعي بلا قانون، ولا قيمة لقانونٍ بلا تطبيق، ووجود القانون اسميٌ لا غير إذا كان تطبيقه على بعضٍ دون بعضٍ في المجتمع الذي شُرِّع له، ولا قيمة لقانونٍ لا تكون قاعدته الحق وقصده العدل، وإنما دعت الحاجة إلى القانون لدعوة الحاجة إلى الأخذ بالحقّ وإقامة العدل، ومن أراد الظلم فلا حاجة له إلى قانون لأنّ منطلق الظلم الهوى، والهوى لا ثبات له على شيء، ولا يخضع للضوابط.
وإذا نادى ظالمٌ بالقانون، فإنما ليتّخذه أداة طيعةً في مقام التطبيق يتصرّف فيه هواه، ويستعين به على تحقيق ما تشتهيه نفسه، ويُفعّل منه ما اقتضى ذلك تفعيله، ويُعطّل منه ما استوجب ذلك تعطيله.
والقوانين التي تولد ظالمة هي قوّة تشريعية تًضاف إلى قوة الناب والظفر التي بيد الظالم تثبيتاً لظلمه وترسيخاً له، وتبريراً يزيد من سوئه ومأساته، ومن أظلم الظلم تشريع القوانين الظالمة التي تعطي تأصيلًا للظلم، وتظهره كذباً وزوراً بمظهر العدل وتبرّره.
وتقبُح الصورة بدرجة أشد ويتفاحش الظلم عندما يكون الدستور الذي يُعدّ أصلا للقوانين الفرعية ظالماً، وصوتاً لاهباً لظهور المستضعفين، وما استقلّ فردٌ بوضع دستور أو قانون لشعبٍ أو أمة، إلا وكان نظره فيه إلى ما يراه مصلحة له، ولمن هو أقرب من هواه وميل نفسه، وكذلك هو شأن أيّ هيئةٍ تتولّى مهمة وضع دستور أو قانون، فالدستور الذي يخلو من مسّ الجهل والهوى والقصور مطلقاً إنما هو الدستور المُتنزّل من السماء لا غير.