محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٤٠ - الخطبة الثانية
والسياسة التي لا تقدِّس إلا الدنيا لا تستثني أي أسلوبٍ دنيء إجرامي في سبيل الحفاظ على مصالحها. ومن أبشع هذه الأساليب دناءةً وإجراما تمزيق الشعب الواحد، وزرع روح الكراهة بين أبنائه، وإثارة الأحقاد والريبة والبغضاء بين صفوفه، والانتهاءُ به إلى حربٍ داخليةٍ طاحنة لا تلتفت إلى دينٍ ولا قيم، ولا مصلحة وطن.
وأيُّ شعبٍ يكون ممتحناً امتحاناً قاسياً في دينه وعقله وبصيرته وخبرته أمام مثل هذه المحاولات. وأنتم اليوم ممتحنون أمام فتنةٍ يراد لكم أن تلجوا بابها الخطير، وتدخلوا نفقها المظلم الذي لا ينتهي إلا بنهايةٍ مأساوية. وعلى هذا الشعب الكريم بسنته وشيعته أن يُبرهن على تفوّقٍ في الذكاء والدين والنباهة والبصيرة وهو يتعرّض لهذا الاختبار، وأن يُسجِّلَ الفشل على كل محاولة تستهدف تفتيته، وإثارة الفتنة بين صفوفه، وتستثير أسباب الحرب الجاهلية المشؤومة قولًا وعملًا بين المواطنين وتؤجّج الروح الطائفية.
إذا كان كل هذا من أجل التراجع عن المطالب الشعبية فإن هذه التجارب قد باءت بالفشل في الأقطار الأخرى، وقد سجلت فشلها بوضوحٍ في هذا الوطن. ونرجو أن لا تقوم للفتنة الطائفية قائمة.
إنه لا علاج إلا بالاستجابة لإرادة الشعب، وتحقيق مطالبه العادلة. والتراجع عن ذلك أصبح من المستحيل، وهو ضارٌ بالوطن بصورةٍ فظيعةٍ مرعبة.
لا تراجع، ولا حلول سطحيةً تعود بعدها الحرائر والأحرار ثانيةً للسجون، وتُصبَغ الشوارع من دم أبناء الشعب، وتُفتّت اللحمة الوطنية، ويُحرَم الناس من لقمة العيش، وتجيّش الجيوش، ويسلب النوم من جفون الآمنين ٢٢.